جنون الصهيونية وقوة المقاومة
روائع لبنان

:: أسباب فقدان منزلة مكة في عهد الأسرة الحاكمة

 

 

الأسباب الحقيقية في  فقدان مكة منزلتها في عهد الأسرة السعودية والعمل على استعادتها

 

بقلم /محمود جابر

 

المقدمة

لا أتصور أن يقصد جموع المسلمون البيت الحرام كل عام في (الفريضة ) مرة، وكل يوم في (النافلة ) ألف مرة ، ثم هم يشتكون الفقر أو الجوع . و لا أتصور أيضا أن الناس تأتى الحرم الأمن الذي تجبى إليه ثمرات كل شيء ، ثم هم يعودون موتى بفعل الزحام ، أو قتلى بتدخل عناصر الشرطة ، أحاول جاهدا البحث في ما كتب عن الحج في هذا العصر التمس فيه تفسيرا لموضع قول الله جل وعلا ( ليشهدوا منافع لهم ) غير أنى لأجد !!.

وفى الحقيقة افزعن أن يقصد ما بين مليون شخص إلى مليوني شخص مكانا ما في بقعة ما في موعد ما وهؤلاء الناس يعانون فقرا أو حاجة أو اضطهاد أو مظالم ولا يستطيعون أن يصلوا إلى طريقة لحلها، إلا أن يكون الناس قد فقدوا رشدهم ، أو أن المستولى على الأمر قد بلغ حدا متجاوزا من التسلط والتجبر والقهر والإرهاب لدرجة أن يخشى مليون شخص أو مليوني مجموعة أفراد وان تجاوزا العشرة آلاف؟!

الحقيقة تقول أن المسلمون في الصين يعانون اضطهادا ما ، وفى الباكستاني يعانوا فرقة  طائفية ، وعداء مع السلطة الحاكمة ، وفى اندونيسيا عدد من الفقراء لا حصر لهم ، وكذلك الهند وباكستان ، وهناك دولة لم تستطع أن تحدد مصيرها في هذا الجزء الشرقي منذ عقود وهى (كشمير) ، ودولة أخرى قطعتها الصراعات قبل أن يد خلها المحتل الغاصب (أفغانستان ) ،وثالثة على بعد حجر من الحرم (مكة) استباحها محتل غاصب غاشم وتدور فيه فتنة طائفية على أشدها ،أما في الجانب الغربي فحدث ولا حرج الفلسطنيينون ما بين قاتل وقتيل إما قاتل يستبيح دم أخيه ، وإما مقتول بفعل المستعمر ،أو للصراع على السلطة، أو من الجوع .... وفى السودان (دارفور) يموت الناس جوعا وربما تقسم البلاد تحت وطأة الصراع على الثروة ، ولعل الوضع في النيجر الأفقر مختلف فالناس ربما نفقت من الجوع الحقيقي ،وقلت الماء، أو ندرتها ،أو انعدامها....

ورغم هذا ينقضي حج العام ثم العام ثم العام ، والحال هو الحال وربما أسوء ، فأين المليون عقل الذين اجتمعوا هنا ، ولماذا اجتمعوا. هل اجتمعوا لأداء طقوس عبادية ، وشراء مسابح وقمصان صينية وعطور عربية وفرنسية؟

ومع توالى الوقت وتدنى السلوك وانخفاض حجم المهمة من الحج والعمرة ، وازدياد المخاطر بحكم إهمال المسئول (الإهمال المنظم) وتعدد المخاطر إما بحراً أو جواً أو براً ، أو سقوط فندق فوق رأس قاطنيه ،أو احتراقه ، أو تزاحم يفضى إلى الموت تحت الأقدام ،أو تحت إطارات سيارة أمير (مردخانى /سعودي) جاء للحج بسيارته رافضا أن يترجل مع العامة والدهماء و السوقة !! . وتحول أمر أداء الشعيرة التي هي منافع لهم ،إلى طقوس ميكانيكية حركية عند الناس ، وأصبح هم الحاج أن يروح ويأتي بسلام في تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر ، والمرتفعة التكاليف لدرجة أنهم ( السعوديين) حولوها إلى تجارة ألقاب .

النتيجة الحتمية التي وصلنا إليها نحن المسلمون أننا أصبحنا أمام (منتزه) تراثي، أو متحف مفتوح مشوه المعاني لا أمام حرم الله الآمن الذي له المكانة المعظمة ،والذي يجتمع في موسمه الناس ليشهدوا منافع لهم .

فمن وراء هذا التدمير المتعمد لوحدة الأمة ولتجمع المسلمين ونهضتهم ؟ أي متسلط هذا الذي يستطيع أن يسيطر على مشاعر وهموم أًُمة لدرجة أن افسد عليهم دينهم ؟ الجواب  ودون مواربة أو تهوين أو تهويل إنها الوهابية السعودية وأسرة آل سعود .

والسؤال التالي: وكيف حدث ؟ وما كانت القصة  وكيف صمت المسلمين ؟

وفى هذا البحث (الأسباب الحقيقية في فقدان مكة منزلتها في عهد الأسرة السعودية وسبل المواجهة ) أسئلة وإجابات عن مكانة الحرم المكي وبيت الله الحرام ومكة . وهذا هو المحور الأول .

أما الثاني : مكانة البيت وأهمية الحج كعامل من عوامل التكامل الاسلامى والتعاون وهنا نخوض في التراث الماضي ، ونستشرف ما هو آت ،أو ما يجب أن يكون في المستقبل .

الثالث: كيف تعامل آل سعود مع المسجد الحرام ومكة المشرفة .

سائلين الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا وان يعلمنا ما ينفعنا وان يمن علينا بالخير وان يهدينا إلى صراطه المستقيم .

والحمد لله في الأولى والآخرة

الباحث

 

 

مكانة مكة وحرمها

"يذكر أهالي الحجاز نقلاً عن أجدادهم أن سعود لما دخل عند قبر

الرسول رفسه برجله وقال: زعمت أن نجداً قرناً من قرون الشيطان

..منها الفتنة واليها تعود.. قم فانظر إليها.. إنها بيضة الإسلام!! "

عبد الرحيم عبد الرحمن " الدولة السعودية الأولى ".

 

 حين تمعن النظر وتطيل التفكر والتدبر في قول الله تعالى( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) هنا تدرك أن السر الخاص ببكة(مكة ) متعلق بسر من الصعب سبر غوره ،فبيت الله الأول هنا..في مكة . الهدى المحفوظ للعالمين ..هنا في كنف هذا البيت .المقام آية ، بل آيات ومعجزات جعلت الناس يُدفعون دفعا إلي هذه البقعة منذ بدء الخليقة ، و قد أضفت الديانات السماوية أهمية خاصة وفائقة على تخليد الآثار الدينية،  والتجارب التاريخية للرعيل الأول المؤسس لنواة هذه الديانات،  ومن لحق بهم من التابعين وتابعيهم،  ورثت من الأسلاف تلك الآثار والتجارب في سبيل الإبقاء على قبس الدين مستمر ومتوهج، وتوثيق الوشائج الروحية على مرّ العصور والأجيال، لأن الديانات في الوقت التي كانت تخاطب فيه عقول البشر جاءت لتخاطب المشاعر النبيلة والعواطف الصافية ، وتؤكد على تفعيلها لما لها من دور كبير في تثبيت المعتقدات والجوانب الفكرية لدى البشر، وهي عادة جبلت عليها المجتمعات منذ قديم الزمن ، وهذه الحقيقة نجدها جليّة عند كل الأمم و أصحاب العقائد الدينية ، كما نجدها  في كتاب الله عز وجل حين يستعرض تاريخ الأمم وقصص الأنبياء، فخلد بعض التجارب والأحداث لما فيها من أهمية بالغة للحقب التاريخية اللاحقة ونقل العبر والدرس للمجتمعات البشرية عامة وللأمة الإسلامية خاصة. يقول تعالى : (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم..). ويقول تعالى (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها)، وفي قصص المجتمعات القديمة قال تعالى (وعاداً وثموداً وأصحاب الرسّي وقروناً بين ذلك كثيراً)، كما خلد القرآن الكريم قصصا كاملة بعينها،مثل  قصة أصحاب الكهف التي ذكرها القرآن الكريم  في سورة كاملة باسمهم والاسم في هذه السورة  ربط الناس (أصحابها) بالمكان ، وسماهم القرآن أصحاب الكهف ‘في قوله تعالى (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً)،  ثم تأتي السورة المباركة على ذكر هوية الفتية في قوله تعالى (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) ليعقبها استعراض لأحوالهم بالتأكيد على جوانب مهمة في تجربتهم مع أهل زمانهم وحاكم بلدهم إلى أن أصبحوا رمزاً إيمانيا وأثراً خالداً يقدّم للمجتمعات اللاحقة ، عبرة وإقتداء واقتفاء آثارهم في قوله ( لنتخذن عليهم مسجدا)، وهكذا هو حال قصص القرآن الكريم وأحوال الأنبياء التي وردت قصصهم بصورة مستقلة وتفصيلة.

والمتأمل في الآيات البينات  من سورة الحج وعند قول الله تعالى ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فج عميق ● ليشهدوا منافع لهم ويذكروا الله في أيام معدودات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئٍس الفقير ● ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ● ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربه ) 27-30.

ولأننا لسنا في مقام تفسير للآيات الكريمات وإنما نحن في مجال تأمل ،وهو تأمل غير ملزم رغم أنه يخاطب العقل والعقلاء . أول هذا الكلام الإذن بالحج أو الإعلام عنه للقريب والبعيد وهى مهمة القائم على أمر هذا البيت ، وإذا كان الحج عرفة فإن هذا يستلزم ضبط التقويم الهجري في الهلال الذي تبدأ به الشهور والصوم وذو الحجة ، وحتى ينضبط هذا لابد أن يقلع هؤلاء عن رؤاهم الضيقة المحدودة في رؤية الهلال وحساب مولده ، فرفضهم الأخذ بالمكتشفات الحديثة والحسابات الفلكية تعكس رؤيتهم للإسلام أو رؤية الإسلام ( من وجهة نظرهم) من العلم من فيجعلوا الإسلام مضادا للعلم !!... وهم متمسكون بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله : صموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثون يوما ) ، فالنبي (ص) يتحدث بمعيار الزمان الأقل تقدما والمكان الأكثر انفتاحا وانبساطا عن وضوح الرؤيا وضبابيتها ، فإن كان الإنسان قد توصل إلى ما يستطيع به كشف الغمة والضبابية فلماذا لا يؤخذ به ؟ وما علاقة هذا بالحديث ؟ . غير أن هذه الخطوة توفر خطوات نحو الوحدة والتوحد في التقويم والتأريخ والصيام ووقفة عرفات فهل صحيح دور هؤلاء هو التفريق وليس العكس؟! .

ثم ما حكاية ليشهدوا (منافع لهم ) رأى سادتنا العلماء والمفسرون القدامى أن المنافع هي التجارة أو قسموها إلى: منافع دينية (أخروية )، ودنيوية ، فالمنافع الأخروية هي إتمام الفريضة والطواف والصلاة ، وأن يرجع من حجه كيوم ولدته أمه ( الحديث) . أما منافعه الدنيوية المتمثلة في زمانهم بالبيع والشراء (التجارة ) . وهذا من وجهة نظر زمانهم وإذا كان تغير الزمان جعل حتى مفهوم التجارة (الكلاسيكي) أكثر تعقيدا فأننا مازلنا واقفون عند تجارة الأثواب ، والنعال والمسابح ، وغطاءات الروؤس ، والعطور ، فأصبحنا نعيد التفسير القديم  للآيات في الواقع الحديث ، وهنا أصبح الحج في حالة (المنافع ) شديد المحافظة والركون إلى درجة الموت والسكون والتعطل .

ولعل المنافع اليوم تحتاج إلى شرح ورؤى أكثر شمولية وتعقيدا تتطلب من مبدعي الأمة وأبناؤها أن يبدعوا في أشكال (المنافع ) وفق آليات الواقع المعاصر واحتياجاتهم ، وليس وفق القرون الوسطي وحاجاتها . ولعلنا سوف نشر تصورنا للمنافع في الصفحات التالية .

أما تعظيم حرمات الله المخصصة في الآية فلأصل في المسلم تعظيم حرمات الله بشكل أصيل وأصلى ومبدئي أما خصوصيتها هنا فإنها عائدة على البيت وحرمته ، ومكة وحرمتها ،وضيوف الرحمن وحرمتهم، والشهر وحرمته، والأيام المعدودة ( عشرة ذو الحجة ) وحرمتهم والذي لا يماثلهم العمل فيهم عن العمل في غيرهم أبدا (الحديث) وهذا من قول الله ( ومن يعظم ) .

 

آل سعود وقول الله ( ومن يعظم حرمات الله فإنها من تقوى القلوب)

 الآيات الكريمات من سورة الحج، و التي استشهدنا بها  تضعنا أمام لازمة اعتقادية هي: إن الذي لا يعظم حرمات الله في بلد الله (مكة) أحب ارض الله إليه (صلى الله عليه وآله وسلم ) ومن لم يعظم حرمات الله في بيته (الحرام )، أو (العتيق ) ،أو( أول بيت وضع للناس ) ، والتعظيم هنا يشتمل على أشياء لا حصر لها، وهو عدم استغلال البيت للترويج للمفاسد ، أو منع الناس منه تحت دعاوى النقاء المذهبي والتوحيدي ، أو العبث بالبيت وقتل الناس فيه ، حتى وان اعتدوا ثم لأزو بالبيت (نموذج جهيمان العتبى ) ،أو (الحجاج الإيرانيين واليمنيين والكويتيين والمصريين )  الذين تم قتلهم جميعا بالبيت، وتعظيم الحجيج (ضيوف الرحمن) إلى أعلى درجات الضيافة والكرم وليس من باب التعالي والتفضل والترفع عنهم .

و نظراً لان الآية تتحدث عن أن هذا التعظيم يدل على التقوى ،ففي المقابل فإن عدم التعظيم يدل على الفسق (في الحد الأدنى) والكفر لعدم إتباع الأوامر والنواهي الإلهية القاطعة (في الحد الأقصى).

ونظرا أيضا  للخلط الحاصل بين العلاقة المكانية ما بين الأرض المُقدسة في جزيرة العرب مُتمثلة ببلاد الحرمين الشريفين وبين الجذور والتركيب السكاني لأفراد وشرائح المُجتمع الشعب العربي المُسلم الذين ولدوا ونشئوا في هذه المُباركة وما بين آل سعود كـ (حكام طارئين مدعومين من الغرب) ، وهُم بـ (مثابة كلاب حراسة لمنابع البترول) وتأمين مصالح الغرب الاستعماري في العصر الحديث ، مع عدم إغفال نشوء تلك العائلة وحكاية مجي جدهم (مردخاي) الذي ألقت به الرياح على الجزيرة العربية وأصبح لاحقاً يُدعى بـ( مرخان) ، وكيفية تغلغل ذلك (المردخائي) ومن ثم السيطرة بالغدر على درعية (الرياض) قبل أن يفر من درعية (القطيف) بعد أن أكتشف أمره والقصة معروفة ، فقد أقتضى التنويه لمن يجهل المُسميات وتختلط عليه الأمور ويرتبك أمام بعض السعوديين والمتسعوديين  ممن يُثربون ويطعنون بالأخوة العرب حينما يناقشون الوضع الداخلي في بلاد الحرمين الشريفين ويلقون ببعض الأسئلة التي يعتقدون أنها مُفحمة للخصم فسوف أعود مرة أُخرى وأكرر بعض المعلومات المُعادة والمُكررة .

وسوف أتكلم اليوم عن مُسمى السعودية وإسباغ ذلك المُسمى على أبناء هذا الشعب الكريم ثم تكبيله بمُسمى التابعية ( من مصدر التبعية ) بدلاً لمفهوم الجنسية الوضعية في كل القوانين والشرائع الحديثة !؟

فإذا ادعى آل سعود ومن يتبعهم وتنطعوا بأنهم مسلمون موحدون فالأجدر بهم أن يلغوا مُسمى التابعية ويتجاوزوا مفهوم القطرية الضيقة في التعامل والتصنيف على أساس الهوية ويعتبروا كل مُسلم وعربي هو مواطن في بلاد الحرمين كونها بلد الإسلام والتوحيد ويطبقوا الحديث الشريف ( المُسلم أخو المُسلم لا يظلمه ولا يكذبه ولا يحقره ... ) وبما أن هذا الشعار عظيم وواسع على آل سعود وأذنابهم وكبير على مفهوم (السعدنة المردخائية) الحديثة ، فهم باتوا يؤمنون بمبدأ القطرية الضيقة ويروجوا لمبادىء القومية والمشاعر الوطنية  اليوم ووهم من كانوا يحاربونها أمس في زمن المد العربي!!!

والمُضحك هنا أن آل سعود وفي عهد فيصل تحديداً كفروا القوميون العرب واتهموهم بالهرطقة والبدع والخروج عن مبادئ الإسلام الحقيقية السمحة التي تُحرم الحكم والتشريع بغير ما أنزل الله وكان في قلب عملية التكفير رمز العروبة (جمال عبد الناصر) ؟

وهذا كلام جميل وليس عليه غبار لو أن من ينادي به هو إنسان سوي وأمين وحريص على الأمة الإسلامية وصادق في الطرح ؟

لكن آل سعود اتخذوا من الإسلام السعودي ستاراً لتحقيق مأربهم الخبيثة وتمكين سلطانهم وحكاية مُعاداة القومية ومُحاربة المشاعر القومية هي مُجرد ورقة لتسويق أنفسهم كحُماة للدين وحملة لراية التوحيد المزعوم ؟

وقد عادوا اليوم للكلام عن العروبة لخوض نفس المعركة (معاداة المد الثوري الرافض للاستعمار والهيمنة ) والمتمثل في إيران وكل المقاومين القريبين منها ، حتى تكون العروبة لباس جديد لصالح الاستعمار الغربي الامريكى الصهيوني  .

من هنا ندخل إلى باب جديد آخر لعله قد يمثل صدمة كبرى لبعض المخدوعين والمغفلين ممن كانوا مخدوعين والى وقت قريب بدجل ورياء عائلة آل سعود المنافقة من خلال تقمصهم لدور الأتقياء الورعين وحماة الدين وتحت زعم خدمة الحرمين الشريفين فأصابت مُريديهم حالةً من الوجوم والصدمة وعدم التصديق وذلك نتيجة الأخبار المتواترة عن لقاءآت سرية قد تمت بين مسؤولين إسرائيليين كبار مع نظرائهم من آل سعود وكان أخرها قبل شهور قليلة حينما التقى أمير سعودي رفيع المستوى مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت حسب ما جاء في أخبار الصحف الإسرائيلية !؟

وبعيداً عن أُصول آل سعود المردخائية أصلاً والتي استطاع من خلالها جدهم الأول المدعو مردخاي من التغلغل والانصهار في المُجتمع الإسلامي في بلاد الحرمين وذلك بإخفاء جذوره اليهودية والاندماج مع القبائل العربية والادعاء بأنهُ ينتسب لأحد تلك القبائل العربية والتي هي بريئةً منه ومن أحفاده !

وبما أن الشجرة لا ترمي ثمارها بعيداً عنها فقد بذل وقَدم حفيد مريخان عبد العزيز بن سعود خدمات جليلة وكبيرة لأبناء جلدته في تل أبيب وقد سارأحفاده من بعده على نفس المنوال وسلكوا ذات الطريق الخبيث وكانت أهم ما قدم من هذه الخدمات إفقاد مكة والبيت الحرام دورهما ومكانتهما في الأمة واجتماعها وإتلافها.

فعبد العزيز بن سعود الذي تحالف مع الإنجليز من أجل إنشاء وطن قومي لليهود ، لا يعتبر نفسه مُفرطاً بالقدس كثالث الحرمين وأولى القبلتين (وقد فرط في الأول مكة والثاني المدينة ) وليؤنبه ضميره أو يشعر بأنهُ قد خان الأمة العربية لأنهُ أصلاً ليس بعربي وهو بهذا التنازل التاريخي الكارثي قد وفر لأبناء جلدته وطناً قومياً يأو يهم من التشرد والضياع وقد أوجد لهم كياناً مسخاً في قلب البلاد العربية وهذا حتماً سيؤدي إلى إضعاف خصومه والتفرغ لبناء مملكته الموعودة ، والتي استطاع جده وهو من أن يدنسا حرم مكة ويخربا ما فيها من معان روحية وإسلامية !

ولم تتوقف خيانة وخبث وتأمر عبد الإنجليز عند هذا الحد بل قام باستقبال مُستشار ديفيد بن غوريون في عام 1945 م المدعو ( سميحا إيرليخ ) حيث التقى به في خيمته الملكية فيما سُمي بموقع صحراء العطش فأجتمع مع سميحا إيرليخ وذلك ليطلب منه المساعدة والعون في بناء بعض المُستوطنات الصهيونية وكذلك دعوة شركة أرامكو في حينه لكي تقوم بإنشاء وتعبيد الطرق في الكيان الصهيوني !

وحتى حينما قُبر ذلك الملعون المأفون عبد الإنجليز فلم يتوقف التعاون السعودي الإسرائيلي ولكنه أصبح يُدار من خلف الكواليس ويتم بصوره سريةً وبعيداً عن الأضواء وعن عدسات وسائل الإعلام خصوصاً بعد إعلان إسرائيل كدويلة !

فتتابعت الاتصالات السرية فيما بينهم حتى جاءت مُبادرة الابن الآخر فهد بن عبد الإنجليز في عام 1981 م حينما قدم فهد مُبادرته المعروفة والتي دعا فيها إلى السلام مع الصهاينة وبشرهم بالهدوء ووعدهم بالسلام المزعوم !

واستمرت تلك العلاقة الحميمة مع إسرائيل تتم في الخفاء ومن خلال السفير السعودي السابق في واشنطن بندر بن سلطان وذلك عن طريق لقاء آته المتكررة مع منظمة إيباك الصهيونية وكذلك من خلال اللقاءات السرية التي يقوم بها عمه المُراهق أمير الرياض سلمان بن عبد العزيز والمشهور بسلمان ( أبو حلاوة ) حيث تتم تلك القاءآت بصوره سريه وبعيداً عن الأنظار في كل من المغرب وأسبانيا وإيطاليا !

ثم جاءت المؤامرة الكُبرى في عام 1981 م والتي كادت أن تفضح تلك العلاقة الخفية بين آل سعود وأخوتهم في تل أبيب وذلك حينما أغارت المُقاتلات الإسرائيلية على بغداد وقصفت مفاعل تموز النووي العراقي والمفاجأة كانت أن المُقاتلات الإسرائيلية قد دخلت عبر الأجواء السعودية وعن طريق منطقة تبوك ثم انحرفت تلك الطائرات ودخلت الأجواء العراقية وقامت بتدمير المفاعل العراقي !؟

بينما كانت المسافة أقرب والأخطار أقل لو أنها اخترقت الأجواء الأردنية فما الذي جعلها إذن أن تدخل عبر الأجواء السعودية وتغامر لولا أن هناك تنسيقاً مُسبقاً معهم وأن هذه الغارة قد تمت بمباركة أخوتهم بالدم أحفاد مريخان في أرض اليمامة (المسروقة) ؟

وأستمر ذلك التعاون الإسرائيلي السعودي وبقي قائماً في السر في أحلك الظروف حتى أن بعض المواطنين من عمال شركة أرامكو في بلاد الحرمين في فترة الثمانينيات الميلادية كانوا يجدون قطعاً للغيار في ورش الصيانة الخاصة بأرامكو وقد كتب عليها صنع في إسرائيل وحينما كانوا يُراجعون مسئوليهم في العمل يُهددون بالفصل إذا تكلموا فيصمتون ويتغافلون عنها عمداً !

وقد استمرت المنتجات الزراعية الإسرائيلية من الفواكه والخضر بالدخول للسعودية في قمة حملات المقاطعة ضد إسرائيل حيث تفننوا في أساليب تضليل المواطنين فمرةً يُدخلوها للبلد على أنها منتجات أردنية وأُخرى على أنها أوربية المصدر كل هذا من أجل أن يدعموا اقتصاد إخوانهم في تل أبيب بل وصل الأمر بآل سعود إلى الإستعانة بمُهندسين زراعيين إسرائيليين لمساعدتهم في إنشاء البيوت الزراعية المحمية(الصوبات البلاستيكية) عن طريق فروع للشركات الإسرائيلية في هولندا !

ثم جاء استقبال ولي العهد السابق والملك الحالي عبد الله بن عبد العزيز للصحفي اليهودي الأمريكي توماس فريدمان ثم إعلانه عن مُبادرته المخزية والتي عرفت لاحقاً بمُبادرة توماس فريدمان والتي تنازل فيها جلالته عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم !


وأستمر التعاون المريخاني الشالومي على أشده وتواصل الغزل والهيام بين الطرفين حتى وصل إلى مرحلة الإعلان وقد كان من المُقرر أن يخرج عبد الله بن عبد العزيز بمبادرة جديدة لنصرة أخوته في تل أبيب لكي يضع النقاط على الحروف ويعلنها صراحةً ًوعلى الملأ !؟

إلا أن الحرب اللبنانية الأخيرة وهزيمة إسرائيل أمام حزب الله حطمت آمالهم .

وهو ما دفع آل سعود إلى إصدارهم ذلك البيان الهجومي والغاضب على حزب الله وتحميلهم المسؤولية الكاملة عن تلك الحرب لأنهم نكثوا غزل آل سعود وعرقلوا مساعيهم ومُبادرتهم الموعودة !؟

ويبدو أن إسرائيل لم تعد تحتمل بقاء تلك العلاقة الأخوية بينهم وبين آل سعود في طي الكتمان فأخذت تُسرب تلك الأخبار عن عمد وذلك لتضعهم أمام الأمر الواقع لكي تحرجهم وتدفعهم للتصريح بتلك العلاقة فيتجرؤا ويعلنوا عنها أمام العرب والمُسلمين ؟

 من هنا نفهم لماذا هذا العداء الشديد للإسلام متمثلا في عدم تعظيم حرمات الله بكل أشكاله كما مر ، واختزالهم لغيظ متناهي في للعداء للتاريخ الاسلامى المتمثل في الآثار والمقدسات .

إن الاعتداء على مقدسات الأمة الإسلامية ضرب من العنف الفكري الذي لا يختلف كثيرا عن العنف الجسدي الذي تمارسه بعض جماعات العنف المسلح(الإرهاب) ،و تلك الجماعات تشن على الضمير الجمعي للأمة إرهاب فكري لا يقل في خطورته و ضرره عن الإرهاب المسلح.

  هذا الأمر يجعلنا نقف ونسأل : ما سرّ هذه الحملة المستطيرة التي تصاعدت خلال الأعوام الثلاثة الماضية من قبل جناحي الحكم السعودي (الملكي والوهابي) لمحو ما تبقى من آثار الإسلام والمعالم التاريخية في المدينتين المقدّستين(؟) بالرغم من مزاعم هيئة السياحة الوطنية بحفاظها على الآثار وصونها!! .

وما سرّ هذا التعمد مع سبق الإصرار والترّصد،  من قبل السلطات السعودية في إعمال معاول المحو الشامل التي تهوي بلا توقف دون رادع من ضمير ديني ولا وازع أخلاقي يحول دون استمرار هذا العبث الطائش في أقدس بقاع الأرض، تارة تحت ذريعة محاربة البدع وأخرى تحت ذريعة توسعة الحرمين، فهدمت مساجد وأزالت حجرات الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وزوجاته وبيوت أهل بيته وصحابته، وخرّبت معالم الرسالة وكأن من انبروا لهذه المهمة يفتّشون عن أتفه سبب لتحقيق مآرب خاصة وإفراغ نزوة منفلتة من عقالها فيعمدوا إلى اجتثاث تاريخ الإسلام من فوق أرض المقدّسات.

وعجباً من ذلك العناد الذي لا يكترث لصرخات الاحتجاج التي عبّرت عنها أقلام كثيرين في مصر وغيرها من أقطار العالم الإسلامي، وارى أن هنا (في مصر) وهناك (في العربية السعودية وغيرها ) من يوفّر لهذه الطغمة المتعنجهة غطاءً قانونياً يمنحها الاطمئنان لمواصلة منهجها تقويضيا لكل أثر ديني ومعلم تاريخي عزيز على المسلمين ،هذا الإسفاف والاستخفاف دفع مدير عام هيئة الأمر بالمعروف في مكة إلي طلب من إدارة العاصمة المقدسة إلي ضرورة إزالة السيراميك الموجود في مقبرة المعلى مقابل قبر أم المؤمنين السيدة خديجة (  سلام الله عليها )، ووصف القبر بأنه منسوب إلي السيدة في تشكيك منه ، و أضاف :إن هذا العمل –وضع السيراميك – يضفي على المقبرة قدسية تجر إلي البدع والشرك والتوسل بالأموات!! .

والسؤال: هل ما يقوم به هؤلاء من غلاة في إصدار أحكامهم، وفي تفسير التشريع، وفي اتهام الناس بـ«قلة عقلهم» إلى درجة عبادة القبور - الأحجار.. هو ضرب من المزايدة، أو وضع العالم الإسلامي في دائرة الشك في نضجه الديني إلى درجة اتهام المسلمين بعبادة الأحجار، وكأن في هذه التهم الجزاف: ضرباً مما يسمونها: «شيفونية» لدى الأيديولوجيين ؟! .

أليس لدى هؤلاء ذريعة لهدم ومحو آثار الإسلام في مكة المكرمة والمدينة المنورة سوى تهمة: عبادة الأحجار، حتى فقدنا: أهم وأكثر آثار الإسلام الأساسية ؟ !.

 لقد هانت على أهل الحكم عمليات الهدم المتواصلة لآثار المدينتين المقدّستين، فيما أفرطوا حد الإسفاف في رصد وصيانة كل أثر تركه آباؤهم وأجدادهم، حتى صارت زيارة قصر الملك عبد العزيز جزءا من بروتوكول الزائرين من رؤساء الدول إلى هذه البلاد، حيث تخبر مقتنيات القصر عن أن القائمين على تراث الآباء والأجداد قد أجهدوا أنفسهم في جمع وعرض ما صغر وما كبر من مختّصات الملك عبد العزيز بما في ذلك فنجان القهوة ودلالها وحتى السفرة والتنور والفرش والوسادة والخاتم والسيف والدرع، بل لا يكاد المرء يصدِّق كيف أتقن القائمون على هذا القصر مهمة جمع أدق التفاصيل المادية وأصغرها شأناً وكأن الزائر للمكان يشعر بأن عبد العزيز مازال حياً بفعل سطوة الحضور الرمزي لتلك الآثار.

يغمر المرء الحزن وهو يعقد مقارنة بين الاهتمام المفرط بآثار عبد العزيز، مصدر فخر العائلة المالكة واعتزازها بمجدها الخاص، والتفريط العابث بآثار المصطفى صلى الله عليه وسلم وآثار الإسلام الخالدة، مصدر فخر الأمة الإسلامية قاطبة. فبينما يبالغ آل سعود في تكريم آبائهم وأجدادهم ببناء المتاحف وترميم القصور القديمة وبناء القرى التراثية لتخليد ماضيهم، نجد تساهلاً يبلغ حد السفه في التعامل مع المعالم التاريخية والآثار الإسلامية والنبوية في مكة والمدينة، إلى حد بات المتشددون يعلنونها صراحة وتعنّتاً بأنهم عازمون على هدم ما بقي من الآثار بما في ذلك غار حراء وقبور الصحابة وآخرها إصدار قرار بإزالة قبر رافع بن رفاعة الزرقي وهو من الأنصار البدريين واستشهد في أحد كما سيزال مسجد الكاتبية الأثري بحجة تحسين المنطقة الأثرية بعد أن أزالوا كثيراً من الآثار عن الجدران الداخلية للكعبة المشرّفة وتمتد تلك الآثار والنقوشات إلى ما قبل تاريخ الإسلام. وقد ذكرت مصادر مطّلعة بأن تلك الآثار المزالة وبعضها نقوشات مكتوبة بلغات قديمة تعود إلى أيام نبي الله إبراهيم حملت على متن قارب في جدة ورميت في أعماق البحر بحضور أحد المشايخ السلفيين المتشددين !!.

ففي بدر نفسها تمّ هدم سور كان يحيط بشهداء بدر حتى تضيع معالمه، وينسى الناس أين دُفن الصحابة الذين استشهدوا في تلك الموقعة. هذا فضلاً عن آثار التخريب الذي امتدّ إلى مسجد العريش التاريخي والتي يمكن مشاهدتها على مدخل المسجد.

صحافتنا تعجّ بأخبار هؤلاء الذين أخذوا عهداً على أنفسهم لمحو كل أثر لنبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام بحجة محاربة البدعة، فقبور صحابة تُنبش، ومساجد تاريخية تُهدم، وحتى غار حراء لم يسلم من هؤلاء.

إلى متى ستستمر هذه المواجهة من ذاكرتنا البنائية والجغرافية  تأخذ في التقويض والمحو؟ .

 أما دارة الملك عبد العزيز فقد  حظيت باهتمام استثنائي وكادت ـ إن لم يكن بالفعل ـ أن تصبح معلماً مضاهياً لمعلم ديني وتاريخي في المدينتين المقدّستين، وكنا نطمع لو أن أفق الاهتمام شمل المحافظة وصون الآثار الدينية والتاريخية في المدينة ومكة بنفس القدر من الاهتمام الفارط لدى من قام بجمع تراث عبد العزيز!

إن إيغال قوى التشدد المدعومة من قبل الجهات الرسمية في مواصلة هدم وإزالة المقدسات الإسلامية والتاريخية يقدّم أكثر من سبب لإطلاق حملة ( دولية ) لحماية ما بقي من تلك الآثار، ووضع حد لسفه تلك القوى في استمرار تصرفاتها المشينة، التي هي موضع استنكار  الأمة الإسلامية في أرجاء العالم، كما هي موضع دهشة المجتمع الإنساني بأسره.

إن صمت حكومات عربية وإسلامية إزاء ما يجري من تدمير وهدم للمقدسات الإسلامية والتاريخية في المدينتين المقدّستين يعدّ قبولاً ضمنياً، أو في أقل تقدير إغفالاً عن موضوع شديد الخطورة كالذي يجري في المدينة ومكة.. فلو كانت تلك الآثار تخصُّ ديانات أخرى لوجدت ذلك الاستنفار العالمي الذي يبتر كل الأيدي الممتدة إليها.

كما ذكر الكاتب دانيال هاودن في( الإندبندت ) كيف هدت الجرافات جوامع وبيوت الخلفاء الراشدين الأربعة وجامع علي العريضي ومقابر الصحابة في مكة ومقبرة البقيع في المدينة،  وذكر الكاتب أيضا أن السلطات الدينية تنوي أيضا ردم غار حراء وتحويل مكتبة مكة الأثرية إلى موقف عام للسيارات.

(والأمر المستغرب والذي يحتاج إلي توضيح أنه ) لم تتحرك صحفنا العربية ولا فضائياتنا التي تملأ السماء ضجيجا دفاعا عن الحق والحقوق ، للرد على هذه الإهانة التي شملت الرسول وفكر الرسول وآل وأصحاب الرسول! لقد قاطعنا الجبن الدنماركية كرد فعل على الإهانة، فهل لدى صحافتنا العربية وفضائياتنا قرار بأن تقاطع دولارات البترول وتنتقد ما يجري في مكة والمدينة ، وما صرح به أخيرا العقيد القذافى في خطبته وفى اجاديس من انه يشك في وجود قبر للرسول في هذا المكان ، لقد صمت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير ، أو كما يقول (رفعت سيد احمد ) وكأن في الفم بترول وليس ماء ، ولم يكلف أحد خاطره أن يقيم حوارا أو يفتح تسأل حول ما ادعاه القذافى ، وهل هو صادق فمن نعاقب ، أم كاذب يستحق أن يعاقب هو ، أين هذه الأمة ؟ !.

إن تراثنا الإسلامي ليس ملكا أو حكرا لآل فلان أو آل علان، ولا يمكن لأي مذهب أو توجه ديني أن يأتي بعد 1400 عام،  ويقرر ما إذا كان الاحتفاظ بآثار النبوة بدعة أو وثنية،  وأن وجود مكة والمدينة في المملكة لا يعطي الحق لآل سعود وأثريائهم ومن دار في هواهم أن يتطاولوا على الرسول والصحابة والإسلام ويمحوا ذكرهم.

 قبل بضع سنوات ألقى الدكتور أحمد زكي يماني، وزير النفط السعودي السابق، محاضرة بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن حول مشروع قام به للتنقيب عن منزل النبي محمد وخديجة عليهما السلام في مكة. كانت المحاضرة قيمة جدا، حيث اشتملت، بالإضافة للنبذة التاريخية عن تاريخ المنزل، علي صور فريدة من نوعها للموقع الذي تم تنقيبه، وأظهرت غرفه بوضوح ومنها محراب الرسول وغرفة ولادة السيدة الزهراء. يقول الدكتور يماني بأنه جاء بأكثر من 300 عامل ومعهم كل ما يحتاجونه من معدات، إلى الموقع، بالإضافة إلى مهندسين وأخصائيين في التنقيب عن الآثار، وقام الفريق بعمل نادر على مدار 24 ساعة. استطاع خلالها كشف المنزل الذي لم يبق منه سوى ارتفاع متر من حيطانه، وبعد أن صوروه بشكل مفصل، قاموا بردمه بالرمل مباشرة وغادروا الموقع(!!). وعندما سئل عن سبب ردمه بالرمل بعد هذا العمل الشاق، أجاب: لدينا في السعودية تيار يعتبر الاهتمام بهذه المواقع والآثار ضربا من الشرك.  وقف شخص أردني وقال: كيف تبرر صرف هذا المبلغ الكبير على اكتشاف بيت قديم، ما الفائدة من ذلك؟  فرد الدكتور يماني: شكرا لك، لقد سهلت مهمتي في إيضاح الصورة للحاضرين. هذا نمط من التفكير الذي يحمله ذلك التيار. لقد كان الحاضرون مشدودين إلى صور منزل النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فهي تحكي تاريخا مجيدا، وقصة مثيرة لنشوء دين الإسلام، ولو كانت لدي غير المسلمين لحظيت باهتمام كبير، واستقطبت الزوار والسياح من كل مكان.

في الفترة الأخيرة بدأ النقاش في المملكة العربية السعودية، خصوصا في إقليم الحجاز، حول هذه القضية يأخذ أبعادا جديدة، وطرحت تساؤلات مثيرة، خصوصا بعد أن بدأت تلك الأعمال تصل إلى مناطق أخرى غير السعودية. فهل أن ذلك جزء من حرب دينية أم سياسية؟ وما دور السياسيين في تشجيع الظاهرة؟ وهل هي صراع على المصالح أم ناجمة عن جهل وتعصب؟ لقد كان تدمير تمثال بوذا في مدينة باميان الأفغانية في 2002 قد سلط الأضواء على هذه الظاهرة التي تهدف للقضاء على كل ما يعتبره التيار السلفي وسيلة من وسائل الشرك. وقبل بضعة أسابيع قام بضعة أشخاص بتدمير قبر هاشم بن عبد مناف، جد الرسول الأكرم (ص) بمدينة غزة الفلسطينية. واتهم مدير دائرة التوثيق في وزارة الأوقاف الفلسطينية عبد اللطيف أبو هاشم جهات سلفية وهابية تتحرك بإيعاز من بلاد أخرى بالوقوف وراء هذه الجريمة، موضحا أن هذه الجماعات أقدمت على هذا الفعل اعتقادا منها أن من يهدم المقامات والمزارات والمعالم الإسلامية يؤجر عند رب العالمين ( !!).  على الرغم من أن هذا القبر يعتبر واحدا من أهم المعالم الإسلامية في فلسطين المحتلة.

مرتكبو هذه الأفعال يستندون إلى مقولة تنسب للشيخين محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية تعتبر زيارة القبور من البدع، ومظهرا من مظاهر الشرك. لا شك أن هناك أرضية تتخذ طابعا دينيا لهذه العقلية، لكن هذه الأرضية حديثة العهد. فما بين عهد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وعهد ابن تيمية المتوفّى عام (708 هـ - 1308م) وتلميذه ابن القيم المتوفّى سنة (751 هـ ـ 1350م)، سبعة قرون ونصف مضت على المسلمين وهم لا يعرفون في أُمورهم الشرعية مسألة تثير التشنج والخصومة بينهم باسم مسألة البناء على القبور، حتّى أفتي ابن تيمية بعدم جواز البناء على القبور، وكتب يقول: اتفق أئمة الإسلام على أنّه لا يشرع بناء هذه المشاهد التي على القبور، ولا يشرع اتّخاذها مساجد، ولا تشرع الصلاة عندها . ثمّ جاء بعده ابن القيّم الجوزية الذي قال: يجب هدم المشاهد التي بُنيت على القبور، ولا يجوز إبقاؤها بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً . وجاء بعدهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب المتوفّى سنة (1206 هـ ـ 1791 م) فحوّل التشدّد والخشونة إلى مذهب فقهي يعتمد على التكفير والاتهام بالشرك والتهديد بهدر الدم وسبي الذراري لكل من ارتكب سبباً من أسباب التكفير عنده، وما أكثرها(!) بل ولكل من خالفه في تكفير المتهمين بالكفر عنده. هذه الظاهرة التكفيرية تمثل أرضية صلبة للقوى التي تسير على ذلك النهج، والتي تستحل دماء المسلمين الآخرين الذين يختلفون مع هذا النهج. وعلى مدى المائتي عام الأخيرة قام المحسوبون على هذا التيار بهدم عدد كبير من الآثار والقبور الإسلامية في أكثر من بلد، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة في أوساط المسلمين لعدد من الأسباب. أولها أن محو الآثار الإسلامية يعني القضاء على تراث معماري وفني وثقافي لا يمكن تعويضه بشيء. وثانيها: إن الاعتداء على ما يعتبره الآخرون أمورا مقدسة يؤدي إلى إثارة التوتر المذهبي والديني، وقد ينجم عن ذلك سفك الدم. وثالثها: انه يسلب عن الإسلام السمة التي لازمته منذ بدايته، والتي يسعى الجميع للترويج لها(وهى حقيقة)، وهي انه دين متسامح، يحترم عقائد الآخرين، ويمنع الاعتداء على مقدساتهم وأماكن عبادتهم، لان في ذلك تهديدا للسلم الاجتماعي والعلاقات الإنسانية. ورابعها: أن استهداف مقابر الشخصيات الإسلامية التاريخية ينطوي على إهانة لقدرهم، واستخفافا بقيمتهم، وهو ما لا يتنافى مع التعليمات الدينية.

أن القارئ المطلع يدرك انه في القرون الأولى من ظهور الإسلام لم تكن هناك رؤية دينية معادية للآثار الإسلامية أو الإنسانية،والدليل وجود كل الآثار الإنسانية لكل الحضارات والديانات التي سبقت الإسلام ، ثم فتحها المسلمون وهى اليوم بلاد إسلامية،  وحتى إذا حدث اعتداء على قبر أو مسجد، فإنما يتم ذلك في أجواء احتقان سياسي وتوتر في العلاقات بين الدولة والرمزية الدينية أو خلافه . ولكن الأمر تغير في القرون الأخيرة، خصوصا بعد حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر التي أسست للطرح السلفي الذي ازداد انتشارا في السنوات الأخيرة. فعلى مدى المائتي عاما الماضية سعى إتباع الدعوة الوهابية لتطبيق تعليمات مؤسسها حرفيا. وحيث انه اعتبر التوسل بالأولياء والصالحين أو زيارة قبورهم من الشرك، فقد تصاعدت الاعتداءات على المساجد التي تقام حول قبور بعض الصالحين، الأمر الذي يلقي بإثارة السلبية على العلاقات بين إتباع المذاهب الإسلامية المختلفة. وأصبحت الجزيرة العربية مسرحا لهذا الصراع الديني الذي اتخذ أبعادا سياسية واسعة. ويمكن القول بان ما يقرب من 90 بالمائة من الآثار الإسلامية في المملكة قد تم تدميره من قبل المؤسسة الدينية القائمة على تعليمات الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وتزداد نزعة الوهابيين بشكل مضطرد لتدمير المساجد والمكتبات والمقابر خصوصا التي تتوفر على قدر من الرمزية لشيء مخالف للعقيدة الوهابية.

ومن خلال ما سبق نقول: أن الناس دفعو إلي زيارة هذه البقعة من الأرض منذ أزمنة بعيدة يتلمسون فيها عبق واثر وهمم وروحانيات الأنبياء الأولين واستمر هذه الزيارات والطقوس العبادية والروحانية منذ آدم (عليه السلام ) ومرورا بآذان  أبونا إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) الذي جُعل آذانه نفيرا عاما لكل أهل الأرض يتلمسون صوته وموضع قدمه وقبر ابنه إسماعيل ( عليه السلام)  يشربون من النبع الذي فجره ظمأه ومازال يروى الحجيج ويشفى العليل وحوله أسرار الأرض وسرتها (الكعبة المشرفة) ، و أسرار وأسرار يستشعرها المرء ويعجز المداد على الاسترسال بوصفها ويدركها كل حس ، بيد أن هذه الأماكن المباركة كاد أن تصبح موضع نفور عام من المسلمين ورحلة محملة بالمخاطرة ليس للمخالف للطغمة الآسرة للمكان ،ولكن لعامة المسلمين الأبرياء الذين قد يوقعهم حظهم العسر في موكب أمير لهى أو سكير لا يمنعه ضمير من أن يصدم بضع عشرات أو مئات من حجاج بيت الله الحرام بسيارات موكبه ( الفاجر) ، أو أن ينهار عليهم بيت أو بناية لا تصلح للسكتة أو الإقامة أو مخاطر يضيق المقام بحصرها .

 

مقارنة لازمة

"يذكر أهالي الحجاز نقلاً عن أجدادهم أن سعود لما دخل عند قبر الرسول رفسه برجله وقال: زعمت أن نجداً قرناً من قرون الشيطان..منها الفتنة واليها تعود.. قم فانظر إليها.. إنها بيضة الإسلام!! " حين تقرأ هذه العبارة ،لابد أن تتذكر مقولة  الجنرال الانجليزى اللمبى  وقائد الجيش الانجليزى في فلسطين والشام وقت أن غزا الشام وفلسطين لمساعدة لورانس وحين رفس قبر صلاح الدين قائل :" ها قد عدنا يا صلاح الدين ".

إن( سعود ) في الدولة الأولى (1750- 1818) وكما تقول المصادر هاجم المسجد النبوي واستولى على النفائس التي حوتها الحجرة الشريفة ، غير أن هذا لم يكن النهاية ، فرفسه القبر الشريف بقدمه (النجسة) لهى دلالة على حالة ثأرية تلبسته حين وجد نفسه وجها لوجه مع حضرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم .وهى نفس الحالة التي تلبس اللمبى حين وجد نفسه وجه لوجه مع قبر صلاح الدين ، إنها ليست حالة من حالات الصراع السياسي أو التنافس على الحكم والسلطة ، بل هي عداوة كامنة ومؤدلجة وهى تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أو المراوحة أن الأصل العرقي أو الفكري والاعتقادى لآل مرخان / سعود . هي أصول يهودية ولعل الأهوال والفظائع وإشاعة الخوف والرعب والنهب والاعتداء على المقدسات هو ما حدا بالجميع حكاما ومحكومين أن يعزموا عزمهم على تحطيم الدولة السعودية وانتزاع الحرمين الشريفين من يد آل سعود، ويؤيدهم في ذلك جمهور غفير من المسلمين، الذين آلمهم منعهم من أداء فريضة الحج، وكذلك يؤيدهم أهالي الحجاز، وجمهور كبير من المواطنين الذين ذاقوا مرارة السيف والحيف.

ومما لاشك فيه أن الرأي العام الإسلامي كان مهيئاً لمثل هذه الحملة العسكرية، هذا إن لم نقل أنه كان سبباً مباشراً في تجريدها، نظراً لضغوطه على حكامه وعلى زعماء الدولة العثمانية.

صحيح أن الرأي العام تأثر بالدعايات التي يطلقها أعداء الدولة السعودية والدعوة الوهابية على السواء.. ولكن الصحيح أيضاً أن أخطاء السعوديين كانت كثيرة وكبيرة للحد الذي لا يمكن التغاضي عنها أو نزع فتيل العداء من قلوب الناس بسببها. ، والتي أوضحت حقيقتهم ، وجعلت من السهولة بمكان سقوط الدولة الأولى وقت أن كان التوحد الإسلامي يتمتع بدرجة ما ، ولم يكن هناك النصير الاستعماري حاضرا ، ولم يكن هناك النفط الذي اسكت الجميع .

وفي هذا السبيل لم يتردد محمد علي في المبالغة فيما يرتكبه الوهابيون من أعمال تدنيس للأماكن المقدّسة ، وإضافة لحادثة الاستيلاء على الحجرة النبوية الشريفة ، فقد عرف أن سعوداً كتب على الكعبة، لا اله إلا الله، وأن سعوداً ظل الله في أرضه.[1]

ولهذا فلا نعجب حين نسمع بأنه:(صحب الحملة بعض شيوخ الأزهر، ومنهم من كلفه محمد علي بتفنيد آراء الوهابيين كنوع من حرب الدعاية في وقتنا الحاضر، ومنهم من تطوّع من تلقاء نفسه لما سمعه عن مناهضة الوهابية للطرق الصوفية) .[2]

( وفي نفس الوقت تعددت رسائل محمد علي إلى الباب العالي مستحثّاً إياه على مزيد من المساعدات المالية، ويلاحظ تشبّع هذه الرسائل بالروح الدينية كوصف جنوده بالمسلمين، وفي حين يسمي خصومه بالخوارج ويذكر أهمية استرجاع الأماكن المقدّسة).[3]

ومما يؤكد وقوف الرأي العام ضد الدولة السعودية، هو أنه حينما (أبلغت الولايات العثمانية من أقصى الدولة إلى أقصاها باسترجاع الحرمين الشريفين، استعدت قوافل الحج لكي تجد طريقها من جديد إلى مكة والمدينة، في مظاهر أبّهة مضاعفة.. احتفاء بهذا النصر، وعلا شأن محمد علي معنوياً في جميع أنحاء الدولة، كما منح ابنه طوسون باشاوية جدّة، وفي الآستانة أقيمت فيها الاحتفالات بمناسبة تسلّم السلطان مفاتيح الحرمين.. ولم يعد لقبه خادم الحرمين الشريفين مجرد لقب، مما أحرج مركز الخلافة لعدة سنوات لهذا كله صار من المتوقع أن يشعر كبار رجال الدولة بالحقد والحسد نحو محمد علي) .[4]

ورغم ما مر من ثبوت العرق اليهودي ، والحقد على أهل التوحيد والاعتداء على حرمات الله وعدم تعظيمها ، وكان تمام الاعتداء دخول مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم ما كان منه من رفس قبره الشريف ، ثم الاعتداء على أهل مكة وما كتبه على الكعبة شكل كل هذا حدا يائنا وفاصلا بين شبهة ادعاء آل سعود الإسلام وبين الكفر ، ومع هذا تجد المال والبترول جعل كثير من الأقلام يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل .

 ومن  المال والرشوة نشأ تضاربت آراء الكتاب والمؤرخين حول سر سقوط الدولة السعودية، فبعضهم قال إنها لم تكن تمتلك التكنولوجيا والأسلحة الحديثة، والبعض الآخر يقول ومن بينهم حافظ وهبة :(أن السبب الأول لسقوط الدولة السعودية ـ الأولى ـ أنها كانت مستندة إلى القوة العسكرية أكثر من استنادها على القلوب والدعوة الدينية لم تتمكن بعد من قلوب الناس).

أما ابن بشر فيرجع الأمر إلى قضاء الله وقدره بسبب الذنوب، ولكن كشك يرفض قول ابن بشر ويخلص إلى نتيجة هي أن: (القيادة لم تنحرف.. فلماذا انهزمت؟).

كما يرفض كشك قول وهبة، وقول جون فيلبي اللذين يعتقدان أن الدولة السعودية توسعت فوق طاقتها، ويقدّم كشك تحليلاً لسبب السقوط يتلخص في الانغلاق داخل إطار الجزيرة العربية، وعدم القيام بنشر الوهابية الى الدول المجاورة، لاعتقاده أن نظرية (الثورة في بلد واحد) لا تصلح للتطبيق، وعليه لا بد من تصدير الثورة إذا ما أريد لها أن تعيش.. وحسب تعبيره:

(لابد أن تقذف بجنينها إلى الخارج فتصدر العقيدة والرجال إلى البيئات التي تملك الموارد الطبيعية والقاعدة الحضارية القادرة على الدفاع عنها والتطور بها والانتشار(.

وهو في هذا ينتقد موقف سعود الكبير الذي منع الحج وانغلق في إطار الجزيرة: (لقد مرّ ما يقرب من عشر سنوات والسلطة السعودية تحكم الجزيرة، دون أن تنطلق الموجة خارج الحدود.. كان لابد أن تنطلق إلى الأمصار..إلى الشام أو بغداد أو مصر، أو كلها معاً.. ولأنها لم تفعل، أصبحت كالجنين الذي تأخرت ولادته فتضخم واختنق في الرحمن أو تفجر معه الرحم) .[5]

ونعود فنقرّ هنا ما ذكرناه سابقاً من أن الدعوة الوهابية اعتمدت في توسعها على جانب كبير من القوة والعنف والإرهاب، تجاه الناس الذين جاءت إليهم بدعوى إنقاذهم من الشرك.. فنفروا منها:

أضف إلى ذلك النزعة العنيفة التي ترافق الانتصارات، حيث يترك القادة السعوديون والتابعون لهم الحبل على الغارب، فلا يسيطرون على قواتهم المنتصرة، وإنما يفسحوا لهم المجال لتدمر كل شيء. وتستولي على كل شيء، وتعتدي على النساء، وتقتل من تريد وكيف تريد.. والقادة يعتقدون أن ذلك أفضل لنشر الرعب في المناطق غير المحتلة فيسهل احتلالها.. وهذا الأسلوب استخدمه آل سعود كثيراً، خصوصاً في الدور السعودي الثالث، أي في عهد الملك عبد العزيز..

ولعل ما ذكره ابن بشر يطابق الحقيقة تماماً، فقد ذكر في صفات سعود أنه نصر بالرعب، لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (نصرت بالرعب مسيرة سنة).. ولكن أي رعب؟

لقد كان الرعب من الله سبحانه وتعالى قذف به في قلوب أعداء الرسول ودينه: (فقذف في قلوبهم الرعب..) الآية، ولم يكن نتيجة تعديات وإرهاب وسفك دماء، كما فعل سعود. وهذا الافتراء ليس بغريب على من ادعى كذب الصادق الأمين صلوات ربى عليه وعلى آله ، وكتب ما كتب على الكعبة ، ثم هو يقتل ويسفك الدماء ويستبيح الحرمات ، ثم يتمسح بمن كفر به وبدينه ويقول ما قال من انه نصر بالرعب (الإجرام والإرهاب) !!.

من جانب آخر.. كان للنزعة المادية والسلطوية التي أفسح لها السعوديون الطريق دور في تخفيض درجة التعلق بالدين والسياسة.. فقد رأينا أن كثيراً من الأموال المنهوبة توزع باسم (الغنائم) بعد المعارك، وكان سعود يجزل العطاء لجيشه، مما أثر على موقفهم، أثناء المحنة والابتلاء، كما أن دخول كثير من الأمراء والأشراف في طاعة آل سعود، ووضعهم شروطاً مسبقة تقضي بأن يتولوا الإمارة أو ما أشبه، ثم قبول الحكام السعوديين بذلك، تدلل على أن حب السلطة والجاه وما تبعها من أعمال، إنما كانت المحرك لكثير من الأنفس، التي لم تكن تؤمن بالعقيدة الوهابية، وكان ولاؤهم للدرعية بقدر ما يحقق لهم من مصالح لا أكثر.. وهؤلاء الناس تراجعوا أيضاً في الطريق وانضم بعض منهم إلى محمد علي.

إضافة للقبائل والقرى والمدن التي خضعت بالقوة دون أن يقتنعوا بصوابية الأفكار الوهابية. وعلى هذا يمكننا القول وبكل جرأة، أن ما قاله حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز صحيح، مع العلم بأنه لا يدعى أن الاستناد إلى القوة العسكرية دون القلوب هي كل الأسباب وإنما أهمها.

 فإننا نعتقد بأن أهم سبب في الهزيمة والنكسة يرجع إلى ابتعاد المسئولين عن الدين، وهو ما ذكره ابن بشر ـ ولكن بخجل ـ حيث أشار إلى الذنوب.. ولكن كشك لا يعر اهتماماً كبيراً للتعدي على الشرع وتخطي أوامر الله، فيذكر كلام ابن بشر بما يشبه السخرية والاستهزاء.. وإذا كان ابن بشر لم يذكر مساوىء أي حاكم من آل سعود ـ نظراً لموقفه المؤيد منهم وبلا حدود ـ فإنه يدرك كم من التعديات على حرم الله وحدوده من قبل آل سعود.

يقول عبد الرحيم عبد الرحمن في معرض حديثه عن تقييم نظام الحكم والإدارة في الدولة السعودية الأولى:

وربما قيل أن هذه النظم نجحت في إقامة الأمن في جميع أرجاء البلاد التي أصبحت تابعة لآل سعود، وأن الكل أصبح يعيش في أمن وطمأنينة.. دون الخوف على ماله ومتاعه، والحقيقة أن ذلك حدث بفعل عامل الشدة الذي كان متّبعاً، والخوف من العقاب الجسماني والمادي، لا عن قابلية ورضا، ومما يؤيد هذا الرأي أن معظم القبائل والبلدان والنواحي التي كانت تابعة لآل سعود، ما كانت تجد القوة التي تخلصها من هذه النظم ممثلة في قوات محمد علي حتى سارعت إلى الانفضاض عنها والانضمام إلى جانب الجيوش المصرية .. ويضيف : وربما قيل أن خروج الكثير من القبائل عن جانب آل سعود كان بسبب ما قدمه لها جواسيس محمد علي وقواده من الرشاوى والهدايا، ولكننا نرى أن في هذا العمل نفسه ما يدلل على عدم الإيمان القوى بالنظم السعودية، لأنه لو وجد الإيمان لما حدث ذلك، لو حدث لكان على نطاق ضيق كما يحدث في كل الأمم والشعوب). كما (أن أسلوب المصادرات الذي كان يوقع على الأفراد والقبائل، كان أحد الأسباب التي ملأت النفوس بالثورة الخافتة ضد الدولة وسلطانها)[6]، حيث تفجرت على شكل ولاء ودعم مباشرين للقوات المصرية.

وتعتقد الدكتورة مديحة درويش، أن من أسباب سقوط الدولة السعودية: (النزعة القبلية التي جعلت الكثير من القبائل التي كانت خاضعة لنفوذ آل سعود، تسعى دائماً للخروج عن طاعتها، ليس هذا في إقليم الحجاز والإحساء فحسب، بل شملت إقليم نجد كذلك..)[7].

وقد كان ابن بشر صادقاً تماماً حين قال بعد موقعة الغبيراء: (خرج إليه ـ إبراهيم باشا ـ أناس من البلد واخبروه بعورتهم ومعاديهم، وكان أكثر ما شدّ ظهور الترك في نجد في البلدان.. وأسكن جأشهم وقوّاهم على أهلها، أناس تبعوه من أهل نحج، ومن رؤساء البوادي)[8].

هذه الحملات ووقع السقوط الذي حدث دون أن يبكى على الدولة المزعومة باكي ، نظرا لأنها فقدت التعاطف الديني والانسانى للممارسات التي سبق ذكرها من هنا اتفق كل الذين كانوا لا يقدرون على مواجهته مع حملة محمد على ، والأمر لم يقتصر على أهل الحجاز فقد عمت الفرحة أنحاء العالم الاسلامى بزوال هذه الغمة .

وإذا كان زوال الدولة الأولى والثانية جاء سريعا نظرا للعوامل المحيطة  وعدم وجود نصير استعماري إلا أن ، الدولة الثالثة التي أسسها عبد العزيز ابن سعود كانت الأكثر إجراما والأشد خطرا فهي التي دعمت كل خطط الغرب من أول زرع إسرائيل ومساندتها ومساندة كل الخطط الاستعمارية ، إضافة إلى إفقاد الحرم المكي ومكة وموسم الحج قيمته ومكانته في العالم الاسلامى

وهذا ما شخصه غير واحد حين قال أحدهم : عمل الغزاة (المستعمرون) أخطر من ذلك في حربهم للإسلام، حين دفعوا إلى الواجهة في بلاد المسلمين تلاميذ أولئك وخرّيجي مدارسهم الفكرية ودعاة أفكارهم ومروّجي حضارتهم، وسلّطوا عليهم الأضواء وعرّفوهم باسم المصلحين للإسلام ومنوّري الفكر والتقدّميين، فاستورد هؤلاء نتيجة أفكار أولئك‌إلى بلاد الإسلام، ونشروها بشتّى وسائل النشر وبأسماء مختلفة وعناوين مشوّقة للنفوس.

إضافة إلى الخوارج الذين بنيت أصول عقائدهم على تكفير عامة المسلمين وأنّهم هم وحدهم المسلمون وما عداهم مشركون؟ وعلى التبرّؤ من الخليفة عثمان والإمام عليّ وأم المؤمنين عائشة وطلحة‌ والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ومن كان معهم، ثمّ لعن أولئك ولعن جميع المسلمين.

كيف يتمّ ذلك وفي المسلمين من تتوق نفسه إلى زيارة قبر الرسول

الأكرم(ص) وقبور أئمّة المسلمين والتبرّك بها والاستشفاع والتوسّل بهم إلى اللّه؟ وفيهم من يرى كلّ ذلك شركا للّه وخروجا على الإسلام وبدعة محرّمة، وبذلك يرون أنّ جميع المسلمين بعد القرن الثالث الهجري إلى اليوم مشركون، وقد هدّموا مساجد المسلمين التي بنيت في طريق غار حراء وأمثاله من الأماكن المتبرّكة إلى‌جانب تهديمهم قبور أئمة المسلمين وأمهات المؤمنين وعمّ الرسول (ص) وابن‌الرسول (ص) وصحابته وشهداء اُحد!؟

ولا يفعل مثل ذلك من اليهود وتوراتهم وبيعهم والنصارى وكنائسهم، وفيها ما فيها من الصلبان وتماثيل عيسى ومريم  وهم يعلنون أنّ عيسى ربّهم وأنّ اللّه ثالث ثلاثة ـمعاذ اللّه ـ وإنّما يعاهدون ولا يقال لهم: أنتم مشركون!

ثمّ إنّ المسائل المذكورة ونظائرها ليست مسائل تخصّ الفرد المسلم

أو مجتمع إسلامي ‌واحد ـ وإنّما هي ممّا يبنى المجتمع الإسلامي عليها، فإمّا أن يبنى المجتمع على‌هذه العقيدة وتزول تلك، وإمّا أن يبنى على تلك وتزول هذه.

وهي ليست بعد قضايا سياسية غير دينية يمكن التغاضي عنها حفظا لوحدة‌المسلمين، وإنّ نشر ملايين النسخ من أمثال كتاب (وجاء دور المجوس) بأسماء مستعارة وغير مستعارة، وإنفاق بعض الحكومات( يقصد الحكومة السعودية ) على أمثالها، لتنسب إلى‌اُمّة كبيرة من المسلمين الخروج عن الإسلام، وإنفاقها ملايين الملايين في‌نشر دعايتها في آلاف المعاهد والمساجد والمدارس بجميع أقطار الأرض: أن‌ماعدا هم من المسلمين مشركون، إضافة إلى إيفاد آلاف المبعوثين كذلك إلى‌جميع أقطار الأرض لنشر دعايتها من جانب واحد، فإنّ كلّ ذلك لم يكن بدافع‌سياسيّ غير ديني.

كما أنها ليست من قضايا أوجدها الاستعمار لإيجاد التفرقة بين المسلمين ليحسن السكوت عليها، بل هي قضايا كانت قائمة ومنتشرة في المجتمع الإسلامي منذ عصر إمام الحنابلة أحمد (ت: 240 هـ) ، بل قبلهما وبعدهما إلى اليوم. وإنّ قتل مئات الألوف من المسلمين وإحراق مكتباتهم في شتّى العصور ومختلف البلاد خير دليل على ما نقول. فهي إذن ممّا يستفاد منها سياسيا من قبل تلك الحكومة أو ذلك الاستعمار، متى‌ما شاءت تلك أو شاء هذا، في ما إذا لم تعالج. ثمّ إنّها ـ كما ذكرنا ـ عقائد راسخة السكوت عنها على مضض لن يحقّق وحدة بين المسلمين ولا تقاربا ولا تفاهما، بل‌يعمّق الجرح ويوسّع شقّة الخلاف ويطيل أمدها، ولمزيد التوضيح وإقامة الدليل على ما بيّنت، أذكر بعض مشاهداتي من آثار مسائل الخلاف بين أبناء الأمة الإسلامية .[9]

وهنا يحكى عن بعض مشاهدات في ارض الحجز فيقول : كان ممّا رأيت في سفري الأول للحجّ على عهد الملك عبد العزيز آل سعود: أنّ رَكْبَنا ـرَكْب الحاجّ العراقي‌ـ عندما بلغ مدينة الرماح من بلاد الحكومة السعودية، مكثنا فيها أربعا وعشرين ساعة، واشتركنا جميعا في أداء الفرائض جماعة بمسجدهم. ولمّا دنت ساعة الرحيل، اجتمع علينا لفيف من أهالي المدينة يشاهدون رحيلنا، فحضر حشدهم من بدا عليه أنّه كان من ذوي معرفتهم، وخطب فيهم وأشار إلى أفراد الحاجّ وقال:

وهؤلاء مشركون. وقال أيضا: هؤلاء يبكون على الحسن

والحسين. ثم‌أشار إلي وقال:

هذا مطوّعهم لو يطيح بيدي أذبَحو وألطع دمُّو... فانبرى له أحد الحجّاج وقال:

لماذا نحن مشركون؟ نحن حججنا بيت اللّه، زرنا قبر النبيّ...!؟ فإذا به يرعد ويزبد ويقول له:

أشركت، لو يجي أبو أبو سعود ما يحامي عنّك. ويش محمد؛ محمد رِجّالا مثلي. (أي لا يستطيع الملك بسلطته ولا يستطيع جدّه سعود أن ينجيك منّي.

وأي‌ّ شي‌ء كان محمد، محمد كان رجلا مثلي وقد مات وانتهى أمره).

فارتعد الحاجّ العراقي وقال:

ماذا أقول؟ ماذا أقول؟ فقال له:

قل ما هو ضارّ إلاّ اللّه، ما هو نافع إلاّ اللّه. فردّد الحاجّ ما لقّنه إيّاه. فانبرى‌ له حاج عراقي آخر وقال له:

محمد رجّالا مثلك!؟ فأكّد قوله ثانية وقال:

محمد رجّالا مثلي، مات! فقال له الحاجّ:

محمد نزل عليه القرآن فهل ينزل عليك القرآن؟ فلم يحر جوابا، وبادرنا ركوب السيارات وتحرّكت بنا.

وكان في ركبنا حاجّ يحمل جواز سفر سعوديا ويسكن العراق. فلمّا بلغنا الحدود وشاهده موظّف الجوازات السعوديّ، انتهره وقال له مستهزئا ومستنكرا:

تترك بلاد الإسلام وتسكن بلاد الشرك!؟

فأخذ الحاجّ السعودي يتذلّل له ويتخشّع له ويطلب جواز سفره، حتّى أعاده‌ إليه!!

 والمشهد الثاني أو الرواية الثانية جاءت خلال مطلع السبعينات من القرن الماضي وقتئذ كان علماء العراق يومذاك يحملون همّ إعادة الأحكام الإسلامية إلى المجتمع، يوقظون أبناء الأمة الإسلامية في سبيل المطالبة بها، في مساجدهم واحتفالاتهم ومهرجاناتهم، ويعارضون السلطة في تشريعها قوانين مخالفة للأحكام الإسلامية. وكنّا نتنسّم أخبار تحرّكات المسلمين في هذا السبيل في أيّ مكان كان، نؤيّد ثورة‌الجزائر على فرنسا، وندعم الثورة الفلسطينية بكلّ ما أوتينا من حَول وقوّة، ونستطلع أخبار الثورة الاريترية على الأحباش، ونرى من لوازم نجاح المعركة في‌سبيل إعادة الأحكام الإسلامية توعية المسلمين في هذا السبيل ثمّ تكاتفهم وتعاونهم في هذا الصدد ونسيان مسائل الخلاف في ما بينهم .

ولمّا نشبت المعركة الإسلامية في إيران بين سلطة الطاغوت وعلماء المسلمين يومذاك بدءا بمعركتهم من المدرسة الفيضية في الجامعة الإسلامية الكبرى بقم، في‌اليوم الخامس والعشرين من شوال سنة 1382 هـ، استبشرنا بها خيرا، وحشّدنا كلّ طاقاتنا لمساعدتها، وجنّدنا أنفسنا لخدمتها؛ فقام علماء العراق بكل ‌ّمااُوتوا من حَول وقوّة بتأييدها، جزاهم اللّه جميعا خيرا.

وكنت ممّن أقام الحفلات التأبينية، وأقمت ثلاث ليالٍ حفلة تأبينية كبرى في‌بغداد، ألقيت فيها خطب توجيهية توضّح أبعاد المعركة الإسلامية في إيران وآثارها ومغزاها.

في مثل هذا الظرف سافرت إلى الحجّ وأنا أحمل معي شعارا وأطروحة، شعاري: الدعوة لتوحيد كلمة المسلمين في سبيل إعادة حياة إسلامية في البلاد الإسلامية، وأطروحتي: النهضة الإسلامية المتمثّلة بالنهضة الإسلامية التي‌بدت طلائعها في إيران من قبل علماء المسلمين. وكنت أبذل الجهد في شرح‌دوافعها لقادة المسلمين ومفكّريهم واستنهاضهم لمساعدتها وبيان أنّ معركة‌المسلمين في سبيل إعادة الأحكام الإسلامية واحدة، وأنّه إذا نجحت المعركة في أيّ بلد إسلامي، فإنّه ستنتشر آثارها إلى غيرها، ويعمّ المسلمين خيرها، وكلّي‌أمل ورجاء أنّي سوف أجد أذنا صاغية لما أعرض من مأساة المسلمين في‌إيران، مع بيان وحدة القضية ووحدة المصير.

اجتمعت في هذه السفرة بقادة الإخوان المسلمين في سوريا وسعيد رمضان بمكّة، ومحمّد آدم رئيس الثورة الاريترية في موقف عرفات، ومثقّفي الفلسطينيين في الأردن وبيت المقدس ومحرّري الصحف الإسلامية وعلماء المسلمين وخطبائهم وقادة الحركات الإسلامية، أمثال أبي الحسن الندوي وأبي الأعلى المودودي رئيس‌الجماعة الإسلامية بباكستان يومذاك، إلى غيرهم.

بدأت عملي في المدينة بالمساهمة في كتابة النشرات التي كانوا يعدّونها للتوزيع على الحجيج، فأجريت تعديلات على صيغ النشرات، شرحنا فيها أبعاد النهضة الإسلامية في إيران وبيّنا ظلم حكومة الطاغوت وعمالتها لدول الكفر، نستنهض فيها المسلمين لإعانة أبناء الأمة الإسلامية في إيران، ورجّحت توزيعها ليلة العيد على الحجّاج في المشعر الحرام، غير أنّي بوغتّ مساء السابع من ذي الحجّة في مكّة المكرّمة بأنّ الشيخ المسؤول عن توزيعها وزّع بعضها في الحرم المكّي الشريف فاُلقي القبض عليه وزجّ في السجن وحُجزت النشرات كافّة. فاجتمعنا نحن‌علماء العراق وإيران يوم العيد بوليّ العهد فيصل، يومذاك، نطلب منه إطلاق سراح الموقوف والنشرات المحجوزة، فاغتنمت الفرصة وقلت: إنّ حكومتهم رفعت ‌شعار تنفيذ أحكام القرآن في هذا البلد، وعليه يقتضي أن تعينوا المسلمين الذين يجاهدون في سبيل تطبيق أحكام القرآن في بلادهم ويصطدمون بحكومات بلادهم الذين يريدون تنفيذ أحكام الكفر، وأن تجعلوا من البلد الحرام ملجأ للمشرّدين منهم وتساعدوهم في شرح ظلامتهم لإخوانهم الحجيج، وذلك هو مصداق قوله تعالى:(لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ).

ثمّ ذكرت قيام علماء المسلمين في الجامعة الإسلامية الكبرى بقم وأسهبت في‌شرح أبعاد النهضة الإسلامية الطالعة بإيران، وواجب قادة المسلمين خاصة الحكومة السعودية تجاهها، وختمت حديثي بشرح قضية العالم الذي وزّع نشرات‌التظلّم على المسلمين وتوقيفه، وجرت حول ذلك بيننا مناقشات، أدّت إلى‌إطلاق سراح الموقوف.

ونشرت الصحف بعد أداء المناسك ورجوعنا إلى مكّة دعوة للحضور في‌المسجد الهندي بمكّة مساء الجمعة للاستماع إلى خطبة الأستاذ المودودي.

فحضرنا الاحتفال بعد صلاة العشاء وألقى الأستاذ المحاضر خطبة ذكر فيها ثمانية‌ أمور تلزم المسلمين لإعادة الحياة الإسلامية إلى المجتمع، وتقدّمت بعده خلف‌المذياع وخطبت معلّقا على خطابه وقلت:

إنّ المسلمين في نهضتهم اليوم بحاجة إلى ثلاثة أمور:

أوّلا ـ إنّ المسلمين بعد مضيّ أربعة عشر قرنا من بعثة الرسول الأكرم(ص) والظروف التي مرّت عليهم بحاجة إلى دراسة موضوعية مستوعبة لكيفية استنباطا لأحكام من مصادر الشريعة الإسلامية ودراية الحديث وفقه السنّة وترك‌البقاء على تقليد العلماء السلف في كلّ ذلك.

ثانيا ـ إنّ الغزاة الكفرة لبلاد الإسلام ـالمستعمرين‌ـ استطاعوا أن يُشتّتوا كلمة المسلمين، وبذلك استطاعوا أن يقضوا على كلّ حركة إسلامية في أيّ مكان تظهر. ثمّ شرحت ثورة الجزائر ضدّ الفرنسيين، والاريتريين ضدّ الأحباش، وعلماء إيران ضدّ الطاغوت العميل، وأسهبت في الشرح واستنهضت همم المسلمين لمساعدتهم.

وذكرت ثالثا ـ أنّنا اليوم بحاجة إلى إيمان كإيمان أبي ذرّ وعمّار وسميّة، وشرحت ما تحمّلوا من الأذى على أرض مكّة التي نحن عليها في سبيل الإسلام.

وفي المدينة المنوّرة بلغ عميد الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز خبر لقاءاتي بالوفود الإسلامية وأنّ أحد علماء بغداد من وصفه كذا وكذا في المدينة‌المنوّرة، فظنّني من أتباع مدرسة الخلفاء ورغب في أن أزور الجامعة الإسلامية بالمدينة، وكانت جديدة التأسيس، وأرسل إلينا من سيّارات الجامعة ما حملتنا إليها مع بعض علماء بغداد ومثقّفيها ووجهائها، وكان أساتذتها قد اجتمعوا في بهو كبير بانتظارنا واستقبلونا فيه واحتشد على نوافذ البهو فريق من الطلاّب لمشاهدتنا. ولمّا استقرّ بنا المقام، بدأت بعد حمد اللّه والثناء عليه بتقديم تحية علماء المسلمين في العراق لهم وتهانيهم بتأسيسهم الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة ثمّ قلت:إنّ رسول اللّه (ص) لمّا حلّ بهذا البلد بدأ بعقد التآخي بين المسلمين

المهاجرين والأنصار، وبنى على ذلك التآخي مجتمعه الإسلامي المجيد. وأنتم بوجود طلبة من خمس وأربعين دولة عندكم تستطيعون أن تقتدوا به وتقدّموا هذه‌الخدمة الجليلة للإسلام والمسلمين. والمسلمون اليوم بأمسّ الحاجة إليها، فإنّهم‌في شتّى أصقاع الأرض ابتلوا بالاستعمار الغازي الكافر؛ منهم من يئنّ تحت‌وطأته مباشرة، ومنهم من يسيطر عملاؤه عليهم وبدأوا اليوم يجاهدون الاستعمار وعملاءه. فهذي الجزائر يجاهد مسلموها فرنسا ويجري عليهم ما يجري، وفي أريتيريا يجاهد ثوّارها هيلاسيلاسى إمبراطور الحبشة ويجري عليهم ما يجري، وعلماء المسلمين في إيران يجاهدون الطاغوت وسيّده المستعمر ويكافحون لطرد أقسى استعمار كافر على وجه الأرض لإعادة الأحكام الإسلامية إلى البلد الإسلامي وجرى عليهم كذا وكذا.

قلت هذا بعد أن أفضتُ في الحديث عن مآسي التفرقة بين المسلمين، وضربت‌الأمثال لذلك وأتممت الحديث، وجاء دور مضيفي الشيخ بن باز للحديث ـوكان قد أنبئ بأنّي من أتباع مدرسة أهل البيت، وكان ضريرا لا يبصرـ فأذابه‌يتنحنح ثمّ يقول بالحرف الواحد:

أنتم مشركون! أسلموا، ثمّ اطلبوا من المسلمين أن يتّحدوا معكم.

فثار الدم في عروقي واشتركت معه في نقاش طويل.[10]

مثل هذه الصورة التي تكونت منذ استيلاء سعود بن مقرن /مرخان على بعض أجزاء من الحجاز ، وخلال الدولة الثانية ، ثم جاءت الدولة الثالثة دولة عبد العزيز بن سعود لتكون جيلا تطهيريا /بروتان جددا ينظرون إلى جموع المسلمين على اعتبارهم مشركين وهم وحدهم المسلمين ، وهذا هو الموقف الذي ترجمه كبيرهم في الإفتاء الديني (عبد العزيز بن باز ) وردده احدهم (ابن جبرين ) وصار عليه مفتيهم الحالي ( عبد العزيز بن آل الشيخ ) ، فالكل هنا قد شرب هذه العقيدة حتى الثمالة فصار هو المرجع في الدين يرى ويفتى وبأمر وينهى ، لأنه نقى تطهيري والباقين أنجاس !!.

والكارثة الادهى والأمر هو ما خطط للبيت (الحرام) وللمدينة المقدسة (مكة ) ففي البدء تم الاعتداء عليها وعلى أهلها ، فخاف الناس الحج ، ثم أصبحت مدينة ثيروقراطية لا يخطب فيها غير البابا (بابا الإسلام العاهل الملكي) أو من تحل عليه بركة غبطته ، هذه البركة لم تمنح قط لغير الوهابيين الثيروقراطيين ، حتى أهل مكة من غير الوهابيين حتى الذين اصبحو حججا في مذاهبهم ليس لهم حق الحديث في المسجد الحرام ، وبذلك فقد وصلنا إلى عزل كل المذاهب وإنكار وجودها ، وفى إثناء معارك التحرر الوطني من الاستعمار كان غبطة (البابا  ) لا يسمح للخطباء ذكر هذه المعارك أو الدعاء لهم ، ثم صارت المدينة والبيت تبتهل بالدعاء للأفغان (في المعركة الأمريكية ) وللعراقيين أثناء حرب الثمان سنوات وتصوير إخواننا الشيعة على اعتبارهم مجوس وكفرا وفرس ، فكان الدعاء لفارس العروبة والإسلام وصاحب معركة القادسية الجديدة (صدام حسين ) ، ثم ما لبث أن سب صدام على المنابر ، وها هم اليوم بعد تكفير صدام حسين يتكلمون عن شهيد الوطن .

ثم توالت الأيام لتتحول مكة من مدينة مناوئة للعرب في صمت إلى مدينة للفتن العصبية والدينية ، ثم هي اليوم تقوم بدور خطير في إزكاء الفتنة وان تبدأ كل الأعمال العربية من خلال آل سعود ليقوموا بعملية مسخ شامل لكل قضايانا ونقول مؤتمر مكة المكرمة  . 

 

الحج والجمعية العمومية للأمة

حين تعانى أمة من فقر مدقع يفضى إلى موت الناس جوعا ،وتأخر في التنمية والاستثمار ، وعجز في الابتكار ، هذه الأمة تستهلك كل حاجتها ، رغم أنها مصدر المواد الخام من الطاقة إلى المعادن والفلزات ، إضافة إلى العقول المبتكرة والمتقدمة التي استجلبها واستقطبها الغرب إليه ليمتص هذه العقول لصالح ، وحين نمتلك اجتماعا سنويا لا يتقدم موعده ولا يتأخر ولا يحتاج إلى قرار من ملك أو رئيس أو أمير أو سلطان ، ويتصدى هذا الاجتماع مليون إلى مليوني شخص ، ما بين ابيض واسود ، وطويل وقصير ، وغنى وفقير ، وعالم وعابد وجاهل وطالب علم ، كل هؤلاء يقصدون صعيد عرفة ثم يـأتون لا هم أفادوا ولا استفاد غير أنهم بددوا طاقتهم واستنزفوا وقتهم ووقت أمتهم .

ونحن هنا نحتاج أن نتطور نظرتنا للشرع الحنيف وآيات القرآن نظرة موضوعية تناسب مع آليات العصر وحاجاته وحلن نقف على قول الله تعالى : (ليشهدوا منافع لهم ) وهو يقصد الحجيج الذين قصدوا البيت هل هذه المنافع فقط هي الطواف والسعي ورمى الجمرات الخ ....، وفقط أم المنافع هي البيع والشراء ، أم أن المنافع أن اخذ بعض سلع من بلد ما لبيعها وقت الحج وآتى مكانها بسلع أخرى وهكذا وفقط .

من هنا نشأت لدينا فكرة الجمعية العمومية للحج فلو تصورنا أن ننشأ جمعية عالمية لها كيان اعتباري وقانوني كهيئة غير حكومية واعتبرنا أن الحجاج والمعتمرين هم أعضاء مجلس إدارتها واقترحنا لها اسم (جمعية الحج الإنمائية ) وتصورنا أن هذه الجمعية تقوم على أهداف هي : أهداف الجمعية :

1-   جمعية الحج الإنمائية جمعية دولية تعمل في كافة الدول التي تم توقيع البروتوكول الرسمي معها و للجمعية صفة اعتبارية وقانونية ولها حق التملك والاستثمار والرعاية والتكافل والدفاع الحقوقي والمدني .

2-   عضوية الجمعية لكل مسلم ذكر أو أنثى كبير أو صغير يتحدث العربية أو غيرها ، ومن يقنط دولة عربية أو غيرها من الدول الغير إسلامية .

3-   تسعى الجمعية إلى تطوير وإعانة المسلمين أفرادا وجماعات حكاما ومحكومين سواء من خلال المساعدات المادية المباشرة أو الخبرات أو المشروعات التي لها صفة مؤقتة أو مستديمة .

4-   رسم اشتراك الجمعية واحد دولارا أمريكا أو ما يعادلة .

5-   رأس مال الجمعية قائم على الاشتراكات والتبرعات والهبات .

6-   تعقد الجمعية العمومية في السادس عشر من ذي الحجة من كل عام هجري ومكان الاجتماع هو مكة المكرمة .

7-   الجمعية يرأسها رئيس وعدد من النواب وستة هم رؤساء الأجهزة  بما لا يزيد عدد مجلس الإدارة عن خمسة عشر عضوا .

8-   أعضاء مجلس الإدارة لهم صفة دبلوماسية وحصانة قانونية تصدق عليها من الدول التي تشترك في الجمعية وتصدق على البرتوكول ، على أن تسعى هذه الدول لاعتراف بالجمعية دوليا .

 

أجهزة الجمعية

تسعى الجمعية لتحقيق أهدافها من خلال مجموعة من الأجهزة وتشتمل على :

أولا : جهاز تسير الحج والعمرة : هذا الجهاز منوط به تحديد الأعداد التي يمكن أن تستقبلها الاراضى الحجازية وشركات النقل في كل بلد لحماية امن الحاج والمعتمر منذ مغادرة بيته حتى العودة ، بما في ذلك الإقامة والانتقال الداخلي وزيارة المشاعر المقدسة ، وتطوير ميكنة العمل لتوفير اكبر قدر من الراحة للحاج ومنع وتقليل وتيسير العقبات للحاج حتى يتفرغ لهذه الشعيرة الكريمة .

ثانيا : جهاز التنمية والاستثمار: وهو الجهاز الذي يطلع إلى مشاكل التنمية والاستثمار في كل بلد مسلم ودراسة أحوالها الاقتصادية والاجتماعية واهم مشاكل التنمية من اجل رفع مستوى معيشة المسلم في هذا القطر ومن اجل ذلك يعمل على تحقيق عدد ما من المشروعات من اجل الهدف المنشود ، وكل ما يلزم هذا المشروع من توفير رأس المال أو المستثمرين المسلمين كأساس ، أو مستثمرين آخرين يما لا يزيد حصتهم في كل مشروع عن الثلث ، وإذا اشترك مستثمر غير مسلم في بلد ما في أكثر من مشروع فلا يجب أن يزيد حصته في مجموعهما على أكثر من ثلاثون بالمائة .

 ثالثا جهاز الرعاية والخدمات : هو جهاز يعمل على حل أزمات الطعام والشراب وتوفير المعيشة للبلدان الإسلامية أولا ، وغير الإسلامية إن اقتضت الحالة وتوفر لدى الجمعية ما يعينها على الأداء . لكل البلدان التي تعانى أزمة أو حل بها كوارث طبيعية أو غير طبيعية  كفيضانات أو سيول أو جفاف وحروب الخ ..

رابعا جهاز الإبداع والابتكار:وهذا الجهاز معنى بالبحث عن الأفذاذ المسلمين في كل مجال من المجالات العلمية والإنسانية وجذبهم للمساهمة في حل بعض الأزمات العلمية والبيئية ، وإعداد الدراسات الخاصة بهذه الأزمات وحلها واستقبال وتنمية شباب المسلمين الذين لديهم القدرات على الابتكار والإبداع في المجالات المختلفة .

خامسا جهاز تنقية التراث والتقريب بين المذاهب :وهذا الجهاز معنى بالقيام بأخطر مهمة وهى مهمة وحدة المسلمين وقبول المسلم لأخيه من خلال حوار العلماء الدائم والغير منقطع حول القضايا الخلافية ، وكذلك تنقية التراث الاسلامى لجميع المذاهب الإسلامية من اجل حذف كل ما يخالف الإسلام ويدعوا للفرقة وكل ما يقرب المسلمين ويدعوا إلى الوحدة . ونشر دورية كل  ما يتم الاتفاق عليه بحيث يصبح هذا هو تراث المسلمين الصحيح والواجب السيادة .

سادسا : الجهاز المالي : وهو الجهاز المسئول عن تحصيل الاشتراكات واستثمارها وتوفير احتياجات الجمعية المادية للخطط التي تم الاتفاق على تنفيذها .

عقد الجمعية العمومية الأولى وتنظيم عمل وتكوين الأجهزة

تنشأ لجنة توافقية من مجموعة من المسلمين الذي يتبنون هذه الفكرة من كل بلد إسلامي واو به كثافة إسلامية ومهمتهم هي تسجيل الأعضاء كل في اللجنة التي يرغب في التسجيل فيها والتي يمكن أن يساهم في تنميتها من خلال خبراته أو مؤهلاته العلمية .

أعضاء كل لجنة(جهاز)  ينتخبون مجلس إدارة نكون من عدد من الأعضاء وفق حاجات الجهاز  ومشروعاته التي يتم تحديدها .

أعضاء مجلس كل جهاز من الأجهزة ينتخبون أعضاء مجلس إدارة الجمعية ويجوز ترشيح عضو واحد من كل لجنة في مجلس إدارة الجمعية وفى حالة فوزه يتم إخلاء مقعدة ليحل مكانه أخر .

 

الخاتمة

استعرضتا ومنذ بداية هذا البحث كيف عمل آل سعود على إفقاد مكة مكانتها بين المسلمين وان تصل بهم إلى أن تكون مكة والحج رحلة عذاب ، وكيف  تطاول جدهم الأكبر سعود على قبر النبي وكيف تعامل أحفاده منذ عبد العزيز وحتى عبد الله الحالي مع المقدسات و البيت وكيف إنهم خرجوا عن تعظيم حرمات الله .

من هنا رأينا أن ندخل من باب ومن يعظم حرمات الله ومن باب كيفية تطوير المنافع التي يجب أن يشاهدها حجاج بيت الله الحرام ، حتى يكون المجتمع المسلم مجتمع متكافل ومتضامن ومتكامل ومتطور ولن نصل إلى مثل هذا إلا بشق الأنفس وحسن التدبير والإخلاص في العمل والعمل بآليات اليوم وحداثة العصر ، هكذا فهمنا وهكذا تصورنا وهذا طرحنا مشروعنا بين يدي القارىء الكريم عسى أن نكون أحسنا فنحتاج الدعم والمشورة وحسن التدبير ، وربما نكون أخطائنا فنحتاج التصويب والتصحيح ، بيد أنا نعترف أن الكمال لله صاحب الأمر .

 

والله اعلم

 



[1]- مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية عدد 6/1976 مقال لصلاح العقاد بعنوان (الحملة المصرية في شبه الجزيرة العربية) ص 9- 10.

[2]- المصدر السابق ص 110.

[3]- المصدر السابق ص 11.

[4]- المصدر السابق ص 113

[5]-  كشك السعوديون والحل الإسلامي، مصدر سابق ص ص 190 ،192.

[6]- عبد الرحيم عبد الرحمن، الدولة السعودية الأولى، مصدر سابق ص 243

[7]-  مديحة درويش، مصدر سابق ص 55

[8]- ابن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، ص 199

[9]- السيد مرتضى العسكري ، معالم المدرستين ، 19-22/1.

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 18 نوفمبر, 2009 04:39 ص , من قبل عرب نار

كلام سليم




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية