روائع النغم السياسي
معجزات حزب الله في لبنان وروائع النغم
سقوط الدولة الفاطمية

سقوط الدولة الفاطمية

دراسة

في إشكالية الانفتاح والسقوط

 

                                                                          بقلم / محمودجابر

 

مقدمة

لم يكن سقوط الدولة الفاطمية بالحدث الهين في مصر وفى العالم الاسلامى في ذلك الحين، نظرا لما تشبع به المصريين من حرية سياسية ودينية على اختلاف دياناتهم أو مذاهبهم لذلك ليس من العجب أن نجد المصريون يدافعون عنها ويحاولون بستماته إعادتها والثورة في وجه من حرمهم منها ولكن وقبل الحديث عن السقوط فإننا سوف نتكلم عن نظرية نشأة الدول بشكل عام وخاصة في تلك الحقبة الزمنية . ونستعرض شىء من الازمات الطبيعية والسياسية التى مرت بها الدولة ، وكذلك الصراع والتنافس بين القادة والوزراء وعناصر الجند ووجود هذه الدولة بين اعداء كثر يروا فيها انها دولة منافسة لهم ومهددة لوجودهم ولمشروعهم الدينى والسياسى ،حتى طمعهم فى خيرات تلك البلاد كان طمعا فيه من الشره لدرجة انهم حرموا أهل البلاد من خيرات بلادهم .

غير أننا نحب أن ننبه الى ملحوظة أولية، وهى أن الدولة الفاطمية أعتبرها المصريون دولتهم ، فدافعوا عنها وكان ولائهم للخليفة / الإمام ولاء دفعوا ثمنه أضعافا مضاعفة من دمائهم واموالهم حين كانت ثوراتهم من أجل القضاء على صلاح الدين ودولته . والإشكالية التى يطرحها البحث ونحاول الجواب عليها هل الاستبداد سببا لزوال الدول والممالك، ام الانفتاح والقبول ؟

 

نشأة وسقوط الدول والحضارات

كثرت المحاولات التي تطرقت إلى تفسير نشأة الدولة واتخذت اتجاهات مختلفة وتباين مناهج وثقافات ووجهات نظر الفلاسفة والمفكرين السياسيين الذين اهتموا بالموضوع والافتراضات النظرية والتأملات الفلسفية التي اعتمدوها غير أن جميع هذه النظريات كانت تدور حول أحد أركان الدولة الأساسية وهو ركن السلطة السياسية.

وعليه فإن البحث في أصل فكرة الدولة وتطويرها يختلط مع البحث في نشأة السلطة السياسية وأساسها.

هنالك كثير من النظريات التي تبحث في أصل نشأة الدولة: النظريات الدينية والنظريات التعاقدية والنظريات غير التعاقدية.

وسنركز هنا على نظرية القوة التي تعتبر من النظريات غير التعاقدية وقد جاء تركيزنا عليها كونها الأقرب والأنسب تفسيرا لنشأة الدول في تلك المرحلة الزمنية سواء كانت دول وولايات مستقلة أو خلافة إسلامية !!

إذ آمنت هذه النظرية بأن القهر والقوة هما أساس نشأت الدولة، بل هما الأساس في قيام أي نظام سياسي حيث كانت الجماعات الأولية تعيش في صراع مستمر مع بعضها، وإذا ما تمكن زعيم القبيلة أو العشيرة في تلك المجتمعات البدائية التأسيس لسلطته وفرضها على إقليم معين فكأنه حقق بذلك أحد أبرز مقومات نشأة الدولة التي إذا ما أرست وعائها فإنها لا يمكن بأٍي حال من الأحوال التخلي عن القوة والسيطرة والغلبة، إذ هي بحاجة لاستخدام كل ذلك لفرض سيادتها داخليا وخارجيا فكأن الدولة هي من صنع قانون الأقوى والسلطة في الدولة تتمركز لدى الأقوى.

والسلطة في الدولة تتمركز لدى الأقلية – نموذج الدولة الأموية والعباسية والولايات الأخرى المستقلة أو شبه المستقلة - التي لها القوة والنفوذ تلك القوة التي يمكن أن تكون مادية أو أدبية أو دينية أو فكرية أو اقتصادية!!.

 وقد أكد ابن خلدون إن الحضارة والدول في هيكلها البنائى العام، تعد كياناً عضوياً يماثلُ أي كائنٍ حيّ يتفاعل مع الوسط الحياتيّ والبيئي الذي يعيش  فيه ، ومن ثمَّ يعتري الحضارة ما يعتري أيّ  كائنٍ حيّ من انتعاشٍ وهزال ، بل وذبولٍ وتلاشٍ . وبذلك فقد أصاب كبد الحقيقة .

لقد درس ابن خلدون في مقدمته أسباب ظهور وسقوط الدول والحضارات ، وسلّط الأضواء على نتائج الحروب من انتصارات وهزائم وإفرازات اجتماعية وأنماط حكومات وحكاّم . يقول في الباب الثالث من مقدمته ، في الفصل الرابع عشر الموسوم " فصل في أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص " : (اعلم أن العمر الطبيعيّ للأشخاص على ما زعمَ الأطباء والمنجمّون أربعون سنة . والدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال . والجيلُ هو عُمْرُ شخصٍ واحدٍ من العمر الوسط فيكون أربعـــــين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته) .[1] 

أما أسباب النهضة والانحطاط التي تؤدي إلى سقوط الدول عند ابن خلدون ، فتعود إلى تفاوت شخصيات الحكّام وأساليب قيادتهم . فهو لا يرى هيبة لدولةٍ إلاّ بقوّة سلطانها وسلطتها ، ولا سبيل إلى سياسة الملك الناجحة إلاّ حين يكون السائس قاهراً بالعدل ، لا مستبدّاً متهوّراً . فالقهر المقصود هو " القوة العادلة " التي تحمي الكرامة والحقوق ، وبها يكون الرُّقيّ والنهوض ، وبخلافهِ يكون الانحطاط والهبوط . فليس أخطر على الحاكم والدولة من إرهاف الحدّ والبطش ؛ لأنه يقود إلى الظلم ، وهذا هو أول أسباب خراب العمران ، الذي يقع بسبب التفريط بمصدر قوّة الدولة " العدل " ، ويكشف عن سوء تدبير الحاكم وما زرعه من بذور الانقسام والفُرقة والصراع والتنافس ، وكلها من علامات خراب الأمصار ، وسقوط الدول ، وغياب الحضارة ، وفشل الملك ؛ لبدء دورة جديدة . [2]

يقول الدكتور علي حسين الجابري : (ومع أن الأجوبة الخلدونية ومدرستها تُعدُّ خلاصة للماضي ؛ فلقد شكّلت بداية رؤية عربية متفوقة للتاريخ من خلال جدل النهضة والانحطاط والقوانين الشمولية ، ولم تقفْ  تأثيراتها عند الفكر العربيّ ، بل تسللت إلى الفكر الأوربي ، وتركت أثرها في فلسفاته ، في تفسير التاريخ ، وإنْ لم يصرّح فلاسفتهم بذلك) .[3]

والذي أعطى للنظرية الخلدونية " في النهضة والانحطاط " بُعدها الكونيّ ، المؤرخ الألمانيّ  (أوزفالد اشبنجلر ( 1880 - 1936 ) صاحب كتاب سقوط الغرب The Desline of the west ) فقدَ تبنّى معطيات ابن خلدون ، إلى حدٍّ كبير ، حين رأى أن التاريخ سلسلة من الحلقات المتتابعة المفصحة عن منجزات فردية متكاملة ، تسمى " الثقافات " ، تأخذ نَسَقَاً دورياً ، يبدأ من " البربرية - البداوة " ، ويرتقي إلى التنظيم والازدهار الحضاري ، ثم ينتهي إلى الجمود والانهيار ، بتعاقب ثلاثي يُفصح عن حياة وموت وولادة جديدة ، على غرار الدورية التي وجدت في الفكر الفلسفي القديم والإسلاميّ . وبتطبيق هذه المقاييس الفلسفية - كما يقول أستاذنا علي الجابري - على تاريخ الغرب الذي يتحرّك على وفق هاجس " المصير "؛ نجده مشحوناً بعوامل " السقوط " المتأنّية من " التطرف " في الأحكام والمواقف والتصرّفات، حتى أختلّ توازن حضارة استكملت دورة فصولها الأربعة . وبذلك ألغى اشبنجلر المقياس الأوربيّ الخاص الذي طُبِّق على تاريخ العالم ، بعد أن وجد التاريخ مسرحاً حقيقياً لكثير من  " الحضارات والأمم " خارج أوربا ؛ كان لأمتنا العربية فيها دور بارز ، مثلما كان للحرف العربيّ مغزاه الفني والأخلاقيّ والتاريخيّ .

أما المؤرخ الإنكليزي توينبي - صاحب نظرية التحدّي والاستجابة - (المتوفي سنة 1978) والذي عُرف بتأثره الواضح بابن خلدون ، ولا سيما بالتحليل الخلدوني في الازدهار والانحطاط ، فيرى إن الحضارة العربية - السريانية ، كانت عظيمة ، وقد جعلها في موقع   (الوسط) بين حضارات سومر وبابل ومصر ، وحضارة الإسلام ، مدفوعة بقانونٍ خاصٍ وإيقاعٍ تطوريّ هو (حضارة - دين - حضارة) . هكذا هي منعطفات التاريخ ومساواته ، تجري وفق منطق (التحدي والاستجابة) الذي هو قانون حركة الحضارات والأمم العام ، معبّراً عنه بالانسحاب والعودة إلى مسرح التاريخ بعد نكسة تتبعها نهضة ، أو تجزئة تلحقها وحـــدة . وهذه مفاهيم مستقاة من ابن خلدون بلا ريب .[4]

وبعد .. إن الفكر الخلدوني حيال سقوط الدول والإمبراطوريات يحذّر الدول من السعي لفرض هيمنتها وقيمها ونمط حياة شعوبها على الآخر ، وتعمل على حلّ مشاكلها الاقتصادية عن طريق العنف والعدوان والاحتلال لدول الغير ، ويؤكد أن دولةً من هذا النوع إنّما تحفر قبرها  بيدها . فالعنف لا يولّد إلاّ العنف ، والتوسّع ، يقود إلى الضعف ، فالانحلال ، فالسقوط ، وما انهيار الإمبراطورية الآشورية (911 ق . م - 612 ق . م) إلاّ أسطع دليلٍ على ما ذهبنا إليه ، أو بالأحرى ذهبت إليه حقائق التاريخ الموضوعية .

إن نظرية سقوط الدول والإمبراطوريات عند ابن خلدون تريد أن تقول لمن يطغى : خُذ حذرك ، إياك أن تنخدع بأوهام القوة ، وإياك أن تُصادر وجودَ الآخرين أو تجتاح ديارهم وتنال من كرامتهم ، وأعلم أن حوار المدافع لا يُغني عن الحوار الحضاري ، وإنما تزيدها تعقيداً ، فليس بهذا الحوار أو الحماقات تتحقق الغايات ، وأعلم أن العقل سيد الموقف ، وبدونه الهروب من الحقيقة والحقّ ، وبالتالي ، الانكفاء خارج التاريخ ، حيث العزلة القاتلة ،(وتلك الأيام نداولها بين الناس).

يقرر القرآن الكريم حقيقة مداولة الأيام بين الناس. وتوحي "المداولة" بالحركة الدائمة، وبالتجدد، وبالأمل، وتقرر أن الأيام ليست ملكاً لأحد، ومن ثمَّ فلا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم الآن في القمة، ستنزلهم حركة الأيام إلى الحضيض، ومن هم في القاع، ستصعد بهم الحركة نفسها ـ من خلال فعلهم الحر وحركتهم واختيارهم ـ إلى القمة. وتحمل المداولة القرآنية كافة جوانب إيجابيتها التاريخية: حركة العالم المستمرة، وتمخض الصراع الفعال، وديمومة الأمل البشري الذي يرفض الحزن والهوان وتكاد الحياة الدنيا تبدو من خلال الموقف الإسلامي أشبه بالناعور، والشجاع الشجاع هو الذي يحصل على صعدة أكثر في تاريخ هذه الحياة الدنيا التي تدور فيها المواقف ولا تستكين لأحد .[5]

وإن الذي يفرق الموقف الإسلامي ويميزه عن غيره، هو أنه يطرح، إزاء مسألة سقوط الدول والتجارب والحضارات، ما يمكن تسميته "الحتمية التفاؤلية".. إنه يقرر حتمية الانحلال والسقوط، ولكنه يقرر، في الوقت نفسه، إمكانية أية أمة أو جماعة أن تعود باستمرار لكي تنشئ دولة أخرى، أو تمارس تجربة جديدة، أو تتولى زمام القيادة الحضارية والعقائدية، بمجرد أن تستكمل الشروط اللازمة لذلك، وأولها عملية التغيير الداخلي، أي تغيير ما بالنفس تغييراً يمتد إلى كافة المساحات الأخلاقية، وسائر المكونات النفسية الأساسية، وكل العلاقات الداخلية مع الذات، ومع الآخرين، والتي تمكن الإنسان (فرداً وجماعة) من مواجه حركة التاريخ. فالقرآن الكريم يطرح، إذن، مبدأ التغيير الذاتي مقابل حتمية السقوط، والمداولة كوسيلة للاستعادة، ولا نقول للاستمرار، لأنَّه ليس بإمكان أية جماعة بشرية أن تظل متوترة الإرادة في مواجهة التحديات الدائمة، قرناً بعد قرن، دون أن تضعف أو تغفل أو تفقد توترها هذا، فتتخلى عن مكانها المتقدم للجماعة الأكثر استعداداً وحيوية وتوتراً .

إن الأسباب الرئيسية لسقوط الدول والأمم والحضارات هي: وجود قيادة ظالمة وقاعدة ساكنة خانعة قابلة بالظلم، واجتماع الترف والحرمان، وتفشي الأخلاق الهابطة، وافتقاد التوازن بين الروح والمادة. إن السقوط نتيجة منطقية لمخالفة شروط الاستخلاف.

ولتفادي أسباب السقوط، لا بد من الجهاد، بتغيير ما بالنفس باتجاه الالتزام بالقيم الأخلاقية التي جاء بها الدين، والعمل على إتاحة حرية الاعتقاد الإنسان حيثما كان هذا الإنسان.. الجهاد الذي هو مبرر وجود الجماعة الإسلامية في كل زمان ومكان، أو مفتاح دورها في الأرض، وهدفها العقيدي، ومعامل توحدها، وضامن ديمومتها وتطورها.. وبدون هذه الحركة الجهادية، يسقط هذا المبرر، ويضيع المفتاح، وتفقد الجماعة المسلمة قدرتها على التوحد والتماسك والاستمرارية والبقاء".[6]

(وتلك الأيام نداولها بين الناس) ـ آل عمران: 140.‏

(ذلك أن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم قط حتّى يغيروا ما بأنفسهم) ـ الأنفال: 53.‏

(وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) ـ الإسراء: 16‏ .

لقد خلق الله تعالى الكون، ثمَّ خلق الإنسان، وجعله خليفة في إعمار الأرض، ومنحه حرية الاختبار بين البدائل ووسيلة الاختيار التي هي العقل، وزوده بالقدرة على التعلم والفعل والاستيعاب، وسخر له كل الكائنات الأخرى، وأرسل إليه الدين طريقة للعبادة (التي هي الهدف من خلق الإنسان)، شاملة الجوانب المعنوية والشعائرية والعملية، من أجل تحقيق مصلحة البشر في الدنيا والآخرة.‏

وهكذا، فالإنسان (وخلافاً لما تقول به التفاسير الوضيعة للتاريخ)، هو العامل الحاسم في مسيرة التاريخ. أمَّا الفعل الإلهي في التاريخ فيكون إما مباشراً (لتذكير الناس بخالقهم)، ومعاقبة الكافرين)، أو غير مباشر عن طريق الحرية الإنسانية التي هي في مداها البعيد جزء من إرادة الله في خلق الأفعال والأحداث. وليس التاريخ مسرحاً للعبث، ولكنه محكوم بسننية صارمة وثابتة تقوم على المقدمات والنتائج المنطقية، وخضع للصراع الذي يحرك مياه التاريخ (فلا تركد ولا تسكن ولا تفسد)، فيحرك الحياة نحو الأحسن. الصراع الذي هو صارع على مستوى الكون والطبيعة (بين السالب والموجب مثلاً)، وصراع داخلي بين الإنسان والشيطان (الذي هو الجهاد الأكبر)، وصراع خارجي أو تدافع في العلاقات بين البشر ضد أولياء الشيطان (وهو الجهاد). وليس صحيحاً أن حركة التاريخ نتيجة للصراع بين النقيضين فقط (كما تقول التفاسير الوضعية)، ولكنها، أيضاً، نتيجة الاستجابة الداخلية لنداء من فوق هو نداء القيم والمثل العليا.‏

وتبقى الدول والحضارات، وتتقدم، ما بقيت ملتزمة بشروط الاستخلاف. فإذا ما تحللت منها بممارسات معينة (مثل: ظلم القيادة وخنوع القاعدة، واجتماع الترف والحرمان، وشيوع الأخلاق الهابطة، وافتقاد التوازن بين الروح والمادة)، تدهورت وانهارت وهزمت أمام الدول والحضارات الأخرى. ولكنها تستطيع (إذا ما عادت إلى الالتزام بشروط الاستخلاف ابتداء من تغيير ما بالنفس) أن تعود لتمارس دورها في مسيرة التاريخ.‏[7]

مراحل نمو وتطور وسقوط الدولة الفاطمية

   مرت الدولة الفاطمية في ثلاثة أدوار تشبه الأدوار التي مرت بها الدولة العباسية، فقد رأيت أن نفوذ الكلمة في الدولة العباسية كان في أوائلها مشتركاً بين العرب والفرس ثم صار إلى الفرس ثم إلى الأتراك، والفاطميون عرب قامت دولتهم بالعرب والبربر فكان النفوذ في أولها مشتركاً بين هذين العنصرين ثم صار إلى البربر ثم إلى الأتراك. وللبربر فضل كبير في نشر الإسلام بأواسط أفريقيا مثل فضل الأتراك في نشره بأواسط آسيا إلى الهند والصين، لأن البربر لما ثبت الإسلام فيهم نهضوا لفتح ما وراء بلادهم في أفريقية الغربية فنشروا الإسلام هناك.

فلما كانت الدولة الفاطمية في المغرب كان البربر من أنصارها، فلما أفضت الخلافة إلى العزيز بالله بن المعز سنة 365هـ، أراد التشبّه بالعباسيين فاصطنع الأتراك والديلم واستكثر منهم وقدّمهم وجعلهم خاصته كأنه خاف على حياته من البربر، فقامت المنافسة بين البربر والأتراك وعظم التحاسد حتى توفي العزيز بالله وخلّفه الحاكم بأمر الله سنة 386هـ وكان يعتقد فضل البربر فقدمهم وقرّبهم فاشترطوا أن يتولى أمورهم ابن عمار الكتامي (من البربر) فولاه الوساطة وهي كالوزارة عندهم، فاستبد في أمور الدولة وقدّم البربر وأعطاهم وولاّهم وحطّ من قدر الغلمان الأتراك والديلم الذين اصطنعهم العزيز، فاجتمعوا إلى كبير منهم اسمه برجوان وكان صقلبياً وقد تاقت نفسه إلى الولاية فأغراهم بابن عمار حتى وضعوا منه فاعتزل الوساطة وتولاّها برجوان فقدّم الأتراك والديلم واستخدمهم في القصر، ثم بدا للحاكم أن يقتل ابن عمار فقتله وقتل كثيراً من رجال دولة أبيه وجدّه فتضعضع البربر وقوي الأتراك.

فلما ملك المستنصر سنة 427هـ أصبح الجند طائفتين كبيرتين تتنافسان وتتسابقان إلى الاستئثار بالنفوذ فآل التنافس إلى حرب تعبت بها مصر واضطر الخليفة إلى استنصار الشام فأتاه أمير الجيوش بدر الجمالي من سوريا وهو أرمني الأصل فقتل أهل الدولة وأقام بمصر جنداً من الأرمن وصار من حينئذ معظم الجيش منهم وذهب نفوذ البربر وصاروا من جملة الرعية ولم يبق لهم شأن في الدولة بعد أن كانوا وجوهها وأكابر أهلها واستقل (نور الدين) من الأتابكة في الشام. وكانت خلافة مصر قد أفضت سنة 555هـ إلى العاضد بن يوسف وكان ضعيف الرأي وقد غلب وزراؤه على دولته وتنافسوا على الاستئثار بالنفوذ وطال تنافسهم حتى أخربوا البلاد والخليفة لا يستطيع عملاً. وكان في جملة المتنافسين وزيراً اسمه شاور قد غُلب على أمره فذهب إلى نور الدين زنكي واستنجده على رجل آخر كان ينافسه في الوزارة فاغتنم نور الدين تلك الفرصة للقبض على مصر وأنجده بأسد الدين شركوه في جندٍ من المماليك. وكانت الحروب الصليبية في تلك الأثناء قد احتدمت فزاد تدخّل نور الدين في شؤون مصر ونائبه فيها شركوه ومعه ابن أخيه يوسف بن نجم الدين وهو صلاح الدين الأيوبي. ومات شركوه بمصر سنة 564هـ فخلفه صلاح الدين في منصب النيابة وكان صلاح الدين من أهل المطامع الكبرى فلما قبض على أزمة النيابة وهي كالوزارة ورأى ضعف الخليفة أراد مصر لنفسه وليس لأميره نور الدين. فلما مات العاضد خطب صلاح الدين بالقاهرة للخليفة العباسي ونقل حكومة مصر من الشيعة إلى السنّة وقبض على أزمة الأحكام، وعمد صلاح الدين إلى محو كل ذكر للدولة الفاطمية ، بما فيها الأشراف العلويين الذين حبسهم صلاح الدين ووكل بهم مملوكه قراقوش ،حتى ماتوا جميعا .ثم انه عامل أهل مصر بأقصى الشدة واستبد بهم وببلادهم، ولعل اضطراب الدولة وزوالها: أنفتاحها على جماعات منغلقة، وعنصرية بغيضه، وكثرة الحروب التى خاضتها الدولة، ووجودها فى فضاء واسع من الدول والكيانات المخالفة لها، كثرت المجاعات التى كان لها فعل التبديل فى أحوال مصر مما كان لها أبلغ الاثر فى سقوط الدولة.

 

أثر المجاعات

الدولة التي بلغت القمة في الازدهار داخليا وخارجيا ، جرت عليها سنة التاريخ في أن يلاحقها الضعف والاضمحلال ، ونجد أن عوامل الضعف فيها يرتبط بعضها ببعض ،مثل عوامل الازدهار ، وان كان بعضها قد ظهر في أثناء الازدهار وان بعضها الآخر قد أدى إلى البعض الآخر.

فمصر الاسلامية – منذ عهد الولاة الامويين- كانت تنتابها من وقت الى لآخر المجاعات ،التى تأتى غالبا من نقص فيضان النيل ،مما يترتب عليه ألا تجد ارض مصر ماء كافى للزرعة ، فتترك الأرض بدون زراعة ، ويتعذر وجود القوت ، ويؤدى ذلك الى ارتفع الأسعار ، فضل عن انه كان يزيدها استفحالا سوء تدبير الحكام ، وغفلتهم عن معالجتها.[8]

وقد استمرت المجاعات قبل مجىء الفاطميين فى عهد الإخشديين تسع سنوات ، بحيث إن وقوعها كان سبب فى مجىء الفاطميين . فيذكر المؤرخ المقريزى أن مجىء الفاطميين كان بسببه الضنك من المجاعات ، وتعذر وجود الأقوات ، بحيث أن المصريين كاتبوا المعز الفاطمى [9]. فلم وصل الفاطميون مصر ، عملوا على تخفيف حدة المجاعات القائمة ، بم اتخذوه من اجراءات ، منه حمل الغلال معهم من المغرب . كذلك كان الفاطميون إذا قصر النيل كتمو مقاييسه إلى أن يوفى إلى الحد المرموق ، حتى لا يحدث اضطراب فى الأسعار ، واختفاء فى الأقوات ، وذلك على عكس ما كان يحدث من قبل ، فكان ينادى على ارتفاع النيل يوميا.

كما اهتمت الدولة بنظام الحسبة [10]، ومراقبة السوق وكان يعين له موظف كبير ، يستخدم الخبراء من بين أرباب الصناعات والحرف و التجار بالقاهرة وجميع سوق مصر ، بقصد مراقبة السوق والاسعار . وكان إذا كذب أحد التجار على أحد المشترين ، و باع بأكثر من الثمن ، فإنه يدفع بالتاجر على جمل ، ويعطى جرس بيده ، ويطوف به في المدينة ، وهو يدق الجرس ويقول : " قد كذبت وها أن أعاقب ، وكل من يقول الكذب فجزؤه العقاب ".[11]

ولكن عادت المجاعات إلى الظهور في عهد الخليفة الحاكم بين 395/1003،إلى 399/1009، واتخذ هذا الخليفة /الإمام من الإجراءات ما يدل على كبر عقله وتفانيه فى القيام بواجبه [12]. فكان يعمل على تثبيت الأسعار بمنع تذبذب العملة ، بتحديد مقاديرها، وأنزل عملة جديدة تفرق على الصيارفة ، ثم أقام سعر لكل شىء ولاسيما الحبوب والمبيعات ، وكما كان يدخل البيوت ، ويوزع الأموال على الناس بنفسه ، وكذلك استخدام وسائله الخاصة فى منع الناس من تخزين الحبوب والأقوات ، فضرب جماعة بالسوط وشهرهم ، وأمر الا يباع القمح الأ يباع إلا للطحانين ، كما كان يكبس الحواصل والبيوت للبحث عن القمح ،ويفرقه على الطحانين بالسعر الرسمى . وفى مرة ركب حماره، وقال: " أنا ماض إلى الجامع ،

 فأقسم بالله لئن عدت فوجدت فى الطريق موضع يطؤه حمارى مكشوف من الغلة ، لأضربن رقبة كل من يقال لى إن عنده شيئ منه ، ولاضربن رقبة كل من يقال لى إن عنده شيئ منه ، ولاحرقن داره وأنهبن أمواله".فلم عاد فى آخر النهار ، لم يكن قد بقى أحد من أهل مصر والقاهرة إلا وعنده غلة ، حتى حمله من بيته و منزله ، وسعى به فى الطرقات ، فامتلات عيون الناس ، وشبعت نفوسهم ، ويدل على بعد نظره أيضا أنه أمرالناس بمنع ذبح البقر السليم من العاهات إلا فى أيام العيد حتى لا تنقرض .

وكان الحاكم توقا إلى قطع دابر المجاعات عن مصر ، فسمع أن شخصا من العراق اسمه أبو على الحسن بن الهيثم ، نبغ فى الهندسة ، وأنه قال: لو كنت بمصر لعملت فى نيلها عملا  يحصل به النفع من كل حالة من حالاته من زيادة ونقصان . فأرسل إليه جملة من مال ، وحثه على المجىء إلى مصر . فلما وصل خرج فى استقباله ، وأمر بإنزاله وإكرامه ، وسيره مع جماعة من الصناع فى طول البلاد حتى وصل إلى السودان . ولكن ابن الهيثم لم يستطع القيام بشىء ، واعتذر عن عجزه ، فابقاه الحاكم عزيزا مكرما حتى وقت وفاته .

ولكن زادت المجاعات فى عهد الظاهر بسبب كثرة الفئران التى أتت على كل شىء ، وانشغاله عن الرعية ، حتى أن رجال الدولة فكروا فى خلعه ، لولا أنه اسرع بتفريق الأموال . وقد صاح الناس فى مظاهرة قاموا بها وهم يقولون : الجوع الجوع ، يا أمير المؤمنين ، لم يصنع بنا هذا أبوك ولا جدك ، فالله الله فى أمرنا . ولكن سرعان ما انتهت أزمة المجاعة فى زمن الظاهر وعاد الناس إلى حياتهم الطبيعية وإلى الدعة والطمأنينة . [13]

ولكن عادت المجاعات إلى أشدها فى عهد المستنصر ، الذى تولى بعد  الظاهر ، فوقعت فى عدة سنين من حكمه : فى 444هـ/ 1050م، وفى 446هـ/ 1052م، وفى 447هـ/ 1055م، وفى 448هـ/ 1056م، وفى450هـ/ 1058م.[14] وكلها فى وزارة اليازورى ، فعالج اليازورى هذه المجاعات ارتجاليا ، وبقصد التقرب من الخليفة / الإمام ، إذ عرف بانه وصولى . فقد كان المستنصر يشترى فى كل سنة بمائة ألف دينار غلة ويخزنها ويتاجر فيها ، ويبيعها بالسعر الذى يريده . فكان الإحتفاظ بهذه الغلة أشبه باحتياطى البلد ، فضلا عن أن التجار كانوا مجبرين على البيع بالأسعار الذى يبيع بها الخليفة . ولكن اليازورى  حض المستنصر على الأ يخزن الغلال ، وأن يخزن غيرها من المواد التى تربح أكثر ، مثل الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وشبه ذلك .وترتب على ذلك أنه لما حدثت المجاعة لم يعد يوجد احتياطى من الغلات ، كما تلاعب التجار باسعار الغلل التى فى حوزتهم وكانوا يخفونها لبيعها بالأسعار التى يريدونه ، وقد أدرك اليازورى خطأه ، فعمل على مصادرة ما فى مخازن التجار وختم عليه ، كما لجأ ألى المفاوضات مع ملك الروم قسطنطين التاسع فى سبيل استيراد ما مقداره ربعمائة ألف أردب من الحبوب ، ولكن لما مات هذا الملك امتنع الروم على ارسال ما تم الاتفاق عليه ،[15]  ومن ناحية أخرى ، فإن حكام ملوك الطوائف بالاندلس أرسلوا إلى مصر سفن مملؤة بالطعام [16]، ولدينا رسائل ودية متبادلة بين على بن العمرى صاحب دانية والخليفة /ا لإمغم المستنصر فى سنة 452هـ / 1060م،[17] بل أعاد المصريون بدورهم السفن محملة بالذخائر الحربية ، كى يستطيع إخوانهم الاندلسيون الاستعانة بها فى كفاحهم ضد الاسبان .[18]

ولعل أكبر مجاعة حدثت فى عهد هذا الخليفة / الإمام ، تلك التى امتدت عدة سنوات بشكل لم يعرف من قبل ، من 457هـ/ 1065م،إ لى 464هـ/ 1071م،[19]أى استمرت سبع سنين ، وبلغت أشدها فى 462هـ/ 1069م، وهذه المجاعة العارمة عرفت بالشدة المستنصرية ، وشبهت بأنها لم تحدث منذ أيام يوسف الصديق (عليه السلام ) ، كما وصلت اثارها إلى الشام وبلاد الحجاز والعراق وما وراء النهر .[20]

وقد كانت هذه المجاعات شديدة على الاهالى وعلى الدولة ورجاله فى آن واحد ، حتى عانوا الامرين فى معايشهم . فتعذر وجود القوت ،وارتفعت الأسعار ، وبلغ رغيف الخبز 15 دينار ( حوالى 7جنيهات ) [21]،بل لم تعد للأموال أهمية فى سبيل الحصول على الأكل . حتى إن حارة سميت حارة الطبق ، إذ بيعت فيها عشرون دارا لقاء طبق من الطعام .[22]

ويذكر بعض المؤرخين أن المستنصر نفسه كان لا يجد ما يقتات به فى اثناء الشدة ، ويركب وحده ، وكل من معه من الخوص مترجلين ليس لهم دواب يركبونها ، وكانوا يتساقطون فى الطرقت من الجـوع .[23]

كذلك اضطر الانس إلى أكل الميتة من الكلاب والقطط، والبحث عن شرائها ، فبيع الكلب بخمسة دنانير ، والقط بثلاثة دنانير [24]. وقد حكى أن وزير الخليفة / الإمام نزل يوم عن بغلته ، فغفل عنه الغلام لضعفه من الجوع ، فأخذه ثلاثة نفر فذبحوه واكلوه ، فأخذوا وصلبوا ، فاصبح الناس فلم يجدوا إلا عظامهم ، لأن الناس أكلوامن تلك الليلة لحومهم ،وقيل للمبالغة أو للحقيقة أنه من شدة الجوع صار الرجل يأخذ ابن جاره ويذبحه ويشويه ويأكله ولا ينكر ذلك .  واشتهرت حوادث خطف الناس وأكلهم ولكن الدولة كانت تعاقب هؤلاء بالشنق .[25]

هذه المجاعات زاد من حدتها أن صاحبها انتشار الاوبئة والامراض ، ولا سيما الجدرى ، الذى مات منه الكثيرون . ففى سنة 448هـ / 1056م، كان يموت كل يوم على الاقل ألف نفس [26]، ثم زاد إلى عشرة ألف ، وفى يوم مات ثمانية عشر ألف ، بحيث كان المستنصر يكفن بالعشرين ألف على حسابه [27]، ويبدو أنه فنى ثلث أهل مصر ، وقيل أنه مات مليون وستمائة ألف وخمسون ألف، فكانت السوق لا يرى بها أحد ، كم نزلت الجند الأرض الزراعية لزراعتها ، لعدم وجود فلاحين . وقد نقص عدد القرى فى عهد المستنصر إلى 2062قرية ، رغم أنه بلغت فى العصر الفاطمى الأول 3834، ويذكر المؤرخون أن خراب الفسطاط بدأ فى الشدة المستنصرية ، وتلاشت العسكر والقطائع .كانت المجاعات المستمرة والممتدة تلقى بظلا له على كل مصر شعب وحكام بل على الوجود الفاطمى ككل .[28]

 

نزاع الجند وطوائف الجيش

الخلافة الفاطمية فى مصر كنت مثل غيره من الدول وقتئذ لم تكن تعتمد على عنصر واحد من الجند فى جيشها ، وإنما كانت تعتمد على عناصر مختلفة ومتعددة من الأجناس والمرتزقة فى جيشها وحفظ أمنها وحماية دولتها . وعليه فقد كان صراع الجند وأجناسهم يلقى بظلال كثيفة وقاتمة على الوضع فى مصر كلما بدأت الدولة فى الضعف ، فنعلم أن الخلافة / الإمامة الفاطمية كنت تستمد قوتها الحربية من أجناي متعدده من أول ظهورها فى المغرب ثم فى مصر. كان العنصر الاول هم من عناصر البربرى ، وهو ما عرف بالمغاربة نسبة إلى إقليمهم الذى أتو منه ، وهى بلاد المغرب ، فعرف منهم طوئف متعددة وأشهرها : كتامة وزويلة ونحوها من طوائف البربر . فكانو يسكنو فى معسكرات و حارات أشبه بالمدن ، فمثلا المصامدة وحدهم سكنوا حارة تضم أكثر من عشرين ألفا . وقد كان المعز يقرب طائفة كتامة على حسب الطوائف الأخرى ، وذلك لانا أصل خلافتهم بالمغرب ، ويبدوأنه أتت معه إلى مصر بكل عناصرها وبهم أخذ مصر ، فكان شيوخها يحتلون وظائف الخلافة الكبرى .[29]

ومع أعتماد الفاطميين الأوائل على المغاربة أساسا ،إلا أنه لما استقر ملكهم فى مصر أخذوا يبحثون عن عناصر أخرى يستخدمونها فى جيوشهم ، حتى لا يستبد البربر ، وخصوصا أنهم قدروا أن المغرب قد يحاول الإنفصال ، مما يجعل طاعة المغاربة وإخلاصهم غير موثوق فيه . وشرع المعز فى تكوين جيش خاص من الشباب من أهل البلد " أولاد الناس " و من عناصر المماليك الذين يشترون ، و من سبى الفرنجة ، و غيرهم ، الذين ياتون صغرا .[30]

ثم ظهر ميل الفاطميين إلى استخدم عناصر جديدة من الشرق من الديلم والترك ، كانوا يعملون كجند مرتزقة فى جيوش المسلمين ، وعرفوا بسبب أنهم من المشرق بالمشارقة . وقد اعتبر العزيز أول من أدخل المشارقة من الديلم والترك فى الجيش الفاطمى ، حتى أن عددهم كثر فى عهده ، وعرفت لهم بعض الحارات ، كحارة الديلم وحارة الترك .وقد كان العزيز على خلاف المعز يقرب المشارقة على المغاربة ، مما وجد نوع من التحاسد والتباغض بينهم [31]. ولما تولى الحكم ، وكان صبيا صغير السن ، طمعت المغاربة فى استعادت نفوذها ومن خلال أبى محمد بن عمار ( الوزيروالوصى ) استطاعت المغربة أن تتفوق على المشارقة وأن تستعيد نفوذها القديم وأن تبعد المشارقة ، غير أنه سرعان ما ظهر منافس لابن عمار وهو (برجوان) وهو خصى أبيض من الصقالبة من رجال القصر ، والذى أرتبط مع المشارقة لمواجهت المغاربة ، واستطاع أن ينتصر عليهم ويصل إلى الحكم ( الوزرة ) ويبعد المغاربة مرة أخرى ، بيد أن الحاكم استطاع أن يتغلب عليهم وقتل كل من ابن عمار وبرجوان ، إلا أن ثورات المغرب وافناء الحاكم للمغربة قوى من مركز المشارقة فى الحكم .[32]

وكذا استخدم الفاطميون السود من البلاد الواقعة بين مصر والسودان وقد كثر السود فى مصر فى أيام المستنصر حتى عرف باسم : صاحب السودان .[33]

واستفحل النزاع بين طوائف الجيش بشكل ظاهر فى أيام المستنصر ويمكن أن نرجع هذا لاكثر من سبب الأول : ضعف الدولة مما خطر لمجاعات والاثار المترتبة عليها .

الثانى : أنفراد أمة المستنصر بصلاحيات سياسية حتى عرفت بلقب " السيدة الملكة ".

الثالث : الصلاحيات والمكتسبات التى حصلت عليه كل طائفة من طوائف الجند وحرص كل منه على حيزة لمزيد وحرمان الاخرين من أى مكسب مما أشعل الحرب بينهم .

لربع : انفتاح الخليفة وتركه الوزراء كوزراء تفويض – وأن لم تسمى-  لا كوزراء تنفيذ دون المراقبة أو التدخل الصارم . وقد وصل الأمر إلى أن استبد الترك بالخليفة / الإمام نفسه . وكذلك إغراء السلاجقة للترك بالسيطرة على الخلافة فى القاهرة والقضاء عليها .

 

طمع رؤساء الجند والعشائر

أدت الحالة السيئة التى وصلت لها البلد من مجاعات ونزاع بين طوائف الجيش وثوراتها إلى ظهور أطماع رجال أقوياء ، أرادوا السيطرة على الدولة من دون هذا الخليفة ، مثلما فعلت أم المستنصر معه ، وعلى رأسهم ناصر الدولة بن حمدان وأخوه .[34]

وإذا تقصينا سبب طموح بنى حمدان – وهم أقواهم – وجدناه يرجع إلى الوقت الذى نشأت فيه دولة الفاطميين . فقد ظهر بنو حمدان كأسرة عربية تحكم فى ثغور المسلمين بحلب فى شمال بلاد الشام ، وفى الموصل من بلاد الجزيرة ، فلما استولى الفاطميون على مصر ثم الشام عملوا على القضاء على دولتهم فى حلب ، واحلو مكانهم المردسيين زعماء قبيلة بنى كلاب . كذلك كان البوهييون بالعراق قد قضوا على دولة بنى حمدان بالموصل ، فنتقل بقايا الحمدانيين إلى القاهرة ، وعاشوا فيها كمنفيين أو كلاجئين .

وقد حذر المعز جوهر الصقلى من أن يفسح لهم المجال فى الجيش أو فى الحكم ، بسبب أنهم أعداء الفاطميين، ووصفهم بأنهم غدارون لا ثقة فيهم ،إلا أن الخلفاء الفاطميين ابتداء من الحاكم ، حتى يوازنوا نفوذهم مع المردسيين فى حلب بدأوا يولون الحمدانيين بعض ولايات الشام ، ويدخلوهم فى الجيش ، ويبدو أن المستنصر هو الذى فتح لهم بابه على مصرعيه ، ولاسيما لأحدهم ، واسمه : أبو محمد الحسن بن أبى عبدلله الحسين بن حمدان ، من نسل الحمدانيين الذين هربوا إلى مصر ، بعد قضاء البوهيين على دولتهم فى الموصل . فجعل المستنصر بن حمدان هذامن أكبر قواده ، وعينه فى ولاية دمشق سنة 433هـ/ 1041م، ويبدو أن بن حمدان وقومه استغلوا وصولهم للمشاركة فى الحكم وكجزء من الجهاز الحاكم من أجل النيل من الدولة الفاطمية وتحطيمها .[35]

وقد وصل استبداد ناصر الدولة بالمستنصر نفسه ،حينما ظهر الحقد فى نفسه ضد الخليفة / الامام ، بحيث فكر فى خلعه ، وأعلن الخطبة لاحد الاشرف ، رغبة فى الانتقام والكيد . فكتب إلى المستنصر قائل: " أنك قدمت علينا زائرا ، وجئتنا ضيفا ، فقابلناك بالإحسان وإكرامنا ، فقابلتنا بما لا نستحقه منك ، نحن عليك صابرون ، وعنك مغضون ، وقد انتهت بك الحال الى مخالفة العسكر علينا ، والسعى فى إتلافنا ، وما ذاك مما يهمك ، ونحب أن تنصرف عنا موفورا فى نفسك ومالك ، وإلا قابلناك على قبيح أفعالك .[36]

ودارت حرب فى طول البلد وعرضها بين ناصر الدولة والخليفة / الإمام المستنصر انحاز مع لول الترك والمشارقة وانحاز مع الاخر المغاربة والكرد ، كنت نتيجة هذه الحرب التى جاءت فى الشدة المستنصرية أن هزم الخليفة / الإمام وقبل بوزارة ناصر الدولة الذى أحدث خراب فى مصر كله وقتلوا أهلها ، وهتكوا حريمها ، وذبحوا الاولاد فى بطون أمهاتهم . كذلك أخذوا البطريرك اخرسطودلوس من داره ، ولم يفكو اسره إلا لم وعد بدفع المال ، وفى سبيل ذلك أرسل البطريرك مندوب عنه إلى ملك النوبة ، ليرسل إليه مال لناصر الدولة . ولا تزال الأديرة تذكر غارات العرب عليها ، مثل دير وادى النطرون ، كما هرب الرهبان من دأيرتهم إلى القرى . ونجد أن السجلات تشبههم بأنهم كالوحوش ، وليسوا من البشر .[37]

ولما دخل ناصر الدولة القاهرة استذل المستنصر وأهله فقبض على أمه وستصفى أموالها ولم يفك أسرها إلا بعد دفعها الدية . كذلك تفرق ابناء المستنصر ، فسار ابنه عبدلله إلى عكا ، وأبو القاسم محمد – أبو الخليفة الحافظ فيما بعد – إلى عسقلان ، ونزار – الإبن الاكبر – إلى دمياط ، ثم أن المستنصر أصبح مع ناصر الدولة مثل المحجور عليه ، فأخرج له ماتبقى فى القصر ، وبلغ به الأمر أنه كان يجلس على حصير، ولم يعد عنده شىء سوى سجادة للصلاة وقبقاب ، ولم يبقى معه سوى ثلاثة خدم ، وأطلق له ناصر الدولة مائة دينار كل شهر .[38]

وقد حاول شيخ الترك المسمى إلدكز أن يدبر مؤامرة لقتل ناصر الدولة ، بيد أن إلدكز حل محل ناصر الدولة ،[39] ولم يتغير الحاال بالنسبة للمستنصر إلا بعد أن  استعان الخليفة ببدرا لدين الجمالى الذى استطاع  ان يقضى على العناصر المعادية للخليفة الفاطمى ، واعادل هيبة الخليفة الفاطمى فى كل اماكن التمرد والخروج فى البحيرة والاسكندرية والصعيد .[40]

وفى اثناء الاضطرابات الداخلية ،كان نفوذ الدولة فى الشام قد سقط ونهار ، فقد هاجمه السلاجقة ، كما استقل بمدنها العديد من الولاة والقضاة .[41]

والخلاصة ان بدر انقذ دولة المستنصر ، وأعاد له بعض نفوذها فى الشام . وعمل بدر على إعادة تنظيم الدولة ، فقد أطلق خراج الأرض للفلاحين ثلاث سنوات حتى تتحسن الأحول ، وقد ساعدعلى ذلك ازدياد فيضان النيل فخرج الحب والبقل وجميع الحبوب . كما أعاد بدر الجمالى تقسيم البلاد إلى واحد وعشرين عمل أى مديرية .[42]

كان انتظام الزراعة من شأنها أن عمل على تراجع الاسعار وزاد الرخاء ، وازادت حركة البناء والعمران ، واعيد بناء سور القاهرة ، واضيف للقاهرة ثلاثة أبواب جديدة وهى: باب الفتوح ، وباب النصر ، وباب زويلة .[43]

كذلك بنيت جوامع عديدة ، بلغ عددها فى عهد المستنصر 36ألف مسجد ، فبنى جمع العطارين بالاسكندرية ، فى سوق السوق العطارين ، وبنى فى القاهرة مشهد على قمة المقطم فى 487هـ/ 1092م، عرف باسم الجيوشى وهو لقب بدر الدين الجمالى الذى لقب بامير الجيوش وكان أحب الألقاب إليه .

وقد أعاد بدر تنظيم الجيش وأكثر من المصريين وكذلك الأرمن العنصر الذى ينتمى إليه بدر والذين كثر عددهم بمصر  .[44]

وفوق ذلك نظم بدر حول المذهب الشيعى الذى ضعف بسبب ضعف الإمام ووزارئه ، وقد كان بدر متشيع فاعاد كل مظاهر المذهب فى الدولة من الأذان والتكبير على الجنائز ، ونظم الدروس للمذهب وقداتهم بتعصبه للمذهب واضطهاده للسنة .[45]

أصبح بدر من ذلك الحين هو الوزير المفوض وليس وزير التنفيذ ، غير أنه لم يستبد بالحكم ولا على الحاكم ولكنه فتح الطريق إلى تسلط  الوزراء على الإمام من بعده حتى انتهى الأمر إلى وزراء استبدو بأمر الدولة مثل الفضل بن بدر وطلائع بن رزيك الذى دخل فى صرع مع والى قوص وهو أبو شجاع شاور . الذى استطاع أن يحاصر القاهرة وهرب رزيك إلى الشام .

لكن أحد أتباع رزيك واسمه ضرغام الذى كان رئيسا جند رزيك أتى من الصعيد إلى القاهرة ، ليثأر لمقتل رزيك على يد شاور وولده طيىء بن شاور ، وقد هرب شاور هو الأخر إلى الشام ، ليستعين بالسلاجقة ، ويتولى ضرغام وزارة العاضد ، ويتلقب بالملك المنصور ، كان هروب شاور إلى الشام ولتجاؤه بالسلاجقة ، واحد من أسباب ربط الدولة الفاطمية بالسلاجقة ومن هنا كان ذلك هو السبب الرئيس والمباشر لزوال الدولة الفاطمية .[46]

 

حملت نور الدين على مصر

بينما كان نور الدين يوطد حكم اتباكيته التى اتسعت من حلب إلى دمشق ، إذ جاءه الوزير الفاطمى الفار شاور سنة 558هـ/ 1164م، طلبا النجدة والعسكر ضد ضرغام الذى طرده من الوزرة وستولى عليها ، وطمع شاور نور الدين محمود فى ديار مصر ، ووعده بحصة من خراج مصر مقدرها الثلث سنويا ،ويمنح جنده الإقطاعات ويقيمون فى مصر ، ويكون منصرفا تحت أمره ونهيه ، وتحت إلحاح شركوه الذى كان يرغب بشدة فى الذهب إلى مصر قبل نور الدين أن يرسل حملة تكون تحت أمرة شريكوه [47]، ومن الواضح أن شركوه قد تفق مع أخيه أيوب للاستيلاء على مصر ، بدليل أن أيوب أرسل ولده صلاح الدين مع عمه والذى لم يكن قد تجاوز خمسة عشر عام . وعلى النقيض يظهر أن صلاح الدين نفسه لم يكن متحمس للذهاب إلى مصر، فيروى أنه قال :" خرجت مع عمى كرها وأنا كمن يقاد إلى المذبح ".[48]

 ولما وصل شاور بصحبت شركوه ثم التقوا فى بلبيس فقتل ضرغام وأخوه ملهم ودخل شاور القاهرة وأطلق ابنه الكامل من دار ملهم وستقام أمره فى الوزارة وأقام أسد الدين شركوه ينتظر أمر شاور ، فأرسل إليه شاور ثلاثين ألف دينار وطلب منه الرحيل ، فلما سمع شركوه ذلك أرسل إليه قائل : إن نور الدين وصانى عند انفصالى عنه إذا ملك شاور تكون مقيم عنده ويكون لك ثلث إيراد البلاد .. فقال شاور إنه لم يلتزم مع نور الدين بشىء من هذا وقد سيرت لكم نفقة فخذها وأنصرف وأنا أتصرف مع نور الدين محمود ، فرفض شركوه .واستعد الفريقين للقتال ، فكاتب شاور ملك الفرنجة واتفق معه على ان يعاونه على طرد جيش نور الدين وشركوه وله لكل مرحلة ألف دينار . ولما تحقق شركوه أقترب ملك الفرنجة بجيشه من مصر ساحبا قواته من القاهرة إلى بلبيس وحاصر هناك حتى قام نور الدين محمود بمهاجمة إمارت الساحل وهزمهم لتخفيف الضغط على شركوه ، ولما أراد ملك الفرنجة سحب قواته لوقف هجوم نور الدين محمود استمهلهم شاور حتى أتم صلحه مع أسد الدين شركوه على أن يعود من حيث أتى نظير ثلاثين ألف دينار إضافية لفك الحصار .[49]

فلم رجع أسد الدين إلى الشام والتقى بنور الدين محمود واخبره باحوالها وأعلمه ورغبه فى الإستيلاء على مصر . رغب نور الدين وأمره بتجنيد الجند واستخدام الرجل  والتجهيز للاستيالء على مصر مرة أخرى .

لما فصل شركوه من دمشق بعسكره أرسل ملك الفرنجة يعلم شاور بأن شركوه فى  طريقه إلى مصر ، فطلب منه شاور عدة قواته على المقرر له فى العام الماضى فجاء ملك الفرنجة من البحر ونزل بلبيس ، وهناك ألتقى بجيش نور الدين محمود بقيادة أسد الدين شركوه وبعد قتال عنيف فى طول البلاد وعرضه اتفق الجميع على التى: أن يحصل شركوه على كل ما أنفقه فى هذه الحملة ، على أن يعطى الفرنجة منه ثلاثين ألف دينار ويعود كل منهم إلى دياره . ولضمان وتأمين مصر من غارات نور الدين محمود وقائده شركوه . اتفق على أن يحمل شاور مل مقدر كل عام إلى نور الدين محمود .

هذه الحادث أثبتت خروج مصر من يد الحكام الفاطميين وأنه اصبحت واقعة بين قوتين ، وهى الدولة الغزية (التركية) النورية، وفرنجة بيت المقدس ، وبالأحرى شاور الوزير المستبد ، الذى كان لا يهمه غير الاحتفاظ  بمنصبه مهما كانت النتائج .

وفى سنة564هـ/ 1168م، قرار الصليبين سباق نور الدين محمود إلى مصر بغيت احتلاله ، فدخل مصر من الحوف الشرقى من ناحية بلبيس وارتكبت جيوشهم فظائع تذكر بما فعلوا عند استيلائهم على بيت المقدس ، فكانوا يقتلون الرجل والنساء والشيوخ والاطفال ، مما يدلل على نية الغزو الحقيقية .

على أثر دخول الجيش الصليبى إلى مصر حضر جيش نور الدين محمود وهنا روايات كثيرة تذكر سبب حضوره وقد تكون كله صحيح ، فليس من المستغرب أن يستنجد الإمام العاضد بنور الدين محمود ويكاتبه ، وأيضا ليس من المستغرب أن يكاتبه أهل مصر فالإختلاف المذهبى أمر عادى والجميع موحدون بالله ومؤمنون برسوله ومعتبرين بأركان الإسلام وموالين له .[50]

ونتيجة لممارسات شاور من أجل الإحتفاظ بمنصبه ، والتى نذكره من البدء حين شب الصراع بينه وبين رزيك بن طلائع بن رزيك ، ثم الصراع الذى شب بينه وبين ضرغام ، ثم هروبه إلى الشام ليفتح عين نور لدين وقائده شريكوه وأخوه أيوب وابن أخيه صلاح الدين إلى التطلع لحكم مصر والإستيلإء عليها ، وحين أراد أن يستجير منهم فعل كـ "من يستجير من الرمداء بالنار ". فراسل ملوك الفرنجة بالشام ، حتى يصنع توازن براجماتي بين الطامعين فى مصر ،هذه البراجماتية جعلت المصريون يكرهونه ويسعون للتخلص منه ودفعهم للتعاون مع شركوه وابن أخيه صلاح الدين ، إلا أن لعبة المتناقضات وإدارتها  أخذت  بخناق شاور فاقعده عن بناء الدولة والجيش فتراجعت مكانة مصر بين قوتين طامحتين – الغزين النوريين والصليبين الفرنجة -  للاستيلاء على مصر أو ملىء الفراغ فى الإقليم ،نتيجة ضعف واضمحلال القوتين الكبيرتين الدولة العباسية فى بغداد والدولة الفاطمية فى مصر .

الحاصل أن تمكن جيش نور الدين محمود من السيطرة على مصر ، ثم قتل شاور وولده و الكامل الذى عرف عنه الشجاعة والصلاح وكذلك هو واحد ممن راسلوا نور الدين محمود على الحضور لمصر أو هو الذى سعى الى الإمام العاضد حتى يراسل نور الدين محمود ليقذ مصر من براثن الصليبين ، ثم تعيين شركوه وزيرا مفوضا للخليفة الفاطمي وهو القائد لعسكرالشام الاتباكية المرسل من قبل نور الدين محمود ، ثم موته أو قتله وتعين صلاح الدين والذى لقب بالملك الناصر ، ثم السلطان .[51]

بتعين صلاح الدين وزيرا مفوضا ، كانت بداية النهاية ليس للوجود السياسى للدولة الفاطمية ، ولكن لنسل الأشراف الفاطمين ، فقد قام صلاح الدين بإحكام السيطرة على كل شىء فى الدولة حتى الأرضى الزراعية والدور . ويقول المقريزى أنه منذ كانت أيام صلاح الدين إلى يومنا ، فإن أراضى مصر كلها كانت تقطع للسلطان وأمرائه وجنده ،إذ كان معظم من جاء معه من التركمان -  الكرد والترك - كان الرجل منهم إذا استحسن دارا أخرج سكانها ونزل فيه ، بحيث أن معظم أهل القاهرة كانوا يبكون من الإستبداد .

ولم تم له إضعاف جانب الخلافة الفاطمية وهدم دعوته بمنع الآذان بحى على خير العمل ، ومنع كل مظاهر الدعوة الفاطمية ، وقطع أرزاق ورواتب الدعاة ‘ إلى أن منع مجالس الدعوة ، وعزل قضاة مصر الشيعة ، وأبرز أن الفاكميين ليسوا من نسل آل بيت النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأنهم من أصول مجوسية ، ووصل به الاستبداد والإجحاف إلى منع صلاة الجمع والصلاة كليا فى مسجدى الأزهر والحاكم(كل ذلك وهو وزيرأ فى الدولة الفاطمية !!) ،[52] لم يتردد فى إلغائها من مصر فى أول جمعة من لمحرم سنة 567هـ/ 10سبتمبر 1171، وأرجع الخطبة للخليفة العباسى المستضىء بأمر الله . وعلى أثر ذلك توفى الخليفة / الإمام العاضد ، وكانت وفاته من نفس العام وفى نفس الأيام وجاءت وفاته يوم عاشورء فى ذكرى استشهد أبو عبد لله الحسين ( سلام لاله عليه وعلى آبائه الطيبين الطاهرين ).[53]

بدأ صلاح الدين فى الإستيلاء على قصر الخليفة وحاز لنفسه كل ما يحويه القصر من كنوز والذى استمر حصر ثمنها عشر سنين . أما الأراضى والأملاك فقد وزعت على أقرباء صلاح الدين ، وأفراد أسرته الكثيرين ، الذين استدعاهم من الشام ، فأعطى أيوب إقطاع الفيوم ، وتوران شاه قوص واسوان وعيذاب ، وقد أغلق القصور و ملكها أمراءه ، ومنح أباه إحداها .[54]

أما سكان القصور الفاطمية ، فإن قراقوش – واسمه يعنى الطائر السود وهوعبد خصى  تركى الأصل أو يونانى وجعله صلاح الدين زمام القصر الفاطمى بحيث أصبح لا يجرى كبيرة ولا صغيرة فى القصر إلا بأمره- قد أخرج منه عشرة آلاف شريف وشريفة – أى علويين – فعتقلهم جميعا وفرق الرجال من النساء لئلا يتناسلوا ، واستمروا معتقلين طول زمن الأيوبيين وحتى زمان المماليك .[55]

 

أثر سقوط الدولة الفاطمية

 وقد ترتب على إنهاء صلاح الدين الخلافة الفاطمية فى مصر رنة فرح شديدة بين السنيين !!.

وقد بعث صلاح الدين ببشارة للغاء الى نور الدين ، فبعث هذا الخبر رسولا بكتاب تهنئة خاص للمستضىء ، ومعه منشور للغاء الذى قرىء فى سائر المدن والقرى إلى أن وصل بغداد ، كما أرسل صلاح الدين للمستضىء بكتاب من خط القاضى الفاضل وإنشائه فزينت بغداد ، وغلقت الأسواق ، وأقيمت الأحتفالات لستقبال نور الدين محمود ، الذى هداه الخليفة خلعة الخلافة ، ومثله أو أقل منه لصلاح الدين .

وفى مصر احتفل صلاح الدين رسميا بوصول خلعة الخليفة العباسى إليه ، فلبسه وشق به حارات القاهرة ، وفى صلاة الجمعة التالية أجبر على الحضور رجال الدولة وأعيان المصريين ، وهدد من تأخر منهم بالعقاب .[56]

 

موقف المصريون من سقوط دولتهم

أما حقيقة موقف المصريين من إنهاء ا لخلافة / الإمامة الفاطمية ، فقد كان له وقع ألم وأسى ، بحيث أن ابن تغرى بردى يقول: إن نفوس المصريين كادت تزهق لنتهاء دولة الطميين. ولا ريب ، فهذه الدولة أحبها المصريون ، لانها جعلت من مصر دولة مستقلة استقلال تام ، يحكمه حكام من نسل الرسول الأعظم صلى الله عليه وعلى آله.، ولم ينسى المصريون أن الفاطميين جاءو ألى مصر للجهاد ، وأنهم قاموا بدورهم فى الدفاع عن الإسلأم بصد البيزنطيين اليونان ، الذين كانوا بدو الحروب الصليبية ، ووصلو الى قرب القدس الشريف وحدود مصر ، قبل مجىء الفرنجة غلى الشام ، كذلك كانت الدواوين الفاطمية تعتمد على المصريين ، سواء كانوا من المسلمين أو القبط ، الذين أرتقوا المناصب بما فيها الوزارات ، كما أنها الدولة الوحيد التى شعر فيها المصريون بحريتهم فى العبادة والتمذهب دون اضطهاد . وأخيرا ، فإن الخلافة الفاطمية فى مصر ، كانت أعيادا متواصلة ، مما لم يعرف له مثيل من قبل ، ليس فقط للمسلمين  من أهلها وإنما أيضا للقبط ، بحيث إنه فى أعياد القبط كانت تطلق المأكولات والملابس والأموال للموظفين القبط والمسلمين ليكون الإبتهاج عام ، وأنها كانت تقوم بسك دنانير خاصة بها (عملة تزكرية ) ، كما كانت تفعل فى عيد المسلمين. لذلك اعتبرها المصريون دولتهم ، حتى إن معظم المؤرخين أجمعوا على تسميتها : دولة المصريين . ومن الملاحظ رغم الاضطرابات والصراع الذى شهدته الدولة طوال عمرها لم تشهد ثورة واحدة من المصريين او خروج على الحاكم كما كانت عادات المصريين مع الدول السابقة منذ الفتح الإسلامى .[57]

إذغ فقد كان سقوط الدولة يعنى عندهم أن مركز بلادهم قد ضعف بعودتها ولاية تابعة لدولة أخرى ، وأنهم خضعوا لجنس أجنبى عنهم وهم الغز ( الترك) ، بحيث أن ابن جبير الرحلة الذى زار مصر عدة مرات أيام صلاح الدين  ، لاحظ أنه بنتهاء الخلافة الفاطمية تملك الغز ديار مصر ، كما ألف ابن الجوزى المؤرخ العراقى كتابا اسمه : " النصرعلى مصر " . وكان سقوط مصر يعنى أيضا الخضوع لصلاح الدين الكردى المستبد ، الذى استبعد فى وزارته كل رجال مصر، واخرجهم من الوظائف والجيش وأنزل رجاله فى بيوتهم ، وهم بإخراج القبط من الدوويين ، لولا خوفه من توقف دولاب الأعمال ،[58] كذلك قدروا أن عصر الرخاء قد ولى بمجىء صلاح الدين ، وقد أكد ذلك اختفاء العملة الذهبية والفضية من التداول ، وظهرت بدله عملة رديئة هى الفلوس وهى من نحاس أو نحاس مخلوط بفضة ، فكان العثور على دينارذهب " أحمر" أشبه ببشارة من الجنة [59].

لذلك نجد المصريين يقومون ضد صلاح الدين بثورات ، بقصد التخلص منه ومن استبداده واحتلال تلك البلاد وأخذ خيراتها ، وهده الخلافة العلوية المصرية الفاطمية . ويحس صلاح الدين بعداء المصريين له ورغبتهم فى التخلص منه ، فيذكر فى مراسلاته لنور الدين ،أن أهل مصر وجنده اعداء.وقد أقامو بثورات عارمة بجميع طبقاتهم وديانتهم ومذاهبهم ، استمرت عدة سنوت وشملت معظم البلاد من الاسكندرية حتى حدود النوبة .

 

ثورة الاولى 569هـ/1173م :

هذه الثورة كانت اكبر المحاولات لاعادة الخلافة الفاطمية ، وهى التى اشترك فيها جمع كبير من المصريين بما فيهم القاضى والداعى والكاتب وامير واستاذ القصر ، والعوام من الشعب ، وأهل ثلاث ديانات من المسلمين والنصارى واليهود ، وحتى السودان وكان على رأس هذه الثورة شخصيات من أكابر الدولة السابقة ، مثل ابن عبد القوى المعروف بالجليس ، الذى كان أفراد أسرته يتولون رئاسة الدعوة الفاطمية والإشراف على مكتبة القصر أبا عن جد ، والعوريس المشرف المالى على الفاطميين ( متولى ديوان النظر) ، وابن القاضى الكامل ، والقشة أحد الأمراء من الجند المصريين ، والشاعر الفقيه عمارة اليمنى ،  وقد استمال الثوار بعض القواد الترك الذين كانوا مع صلاح الدين. ولكن خبر الثورة وصل إلى صلاح الدين على يد أحد أعوانه وهوا بن نجا الذى دسه بينهم ، فأجبر صلاح الدين فقهاء مصر على الإفتاء بقتلهم و فشنقهم وصلبهم فى ميدان بين القصرين ، وهوأ كبر الميادين فى القاهرة ، كذلك قبض على كل من له علاقة من قريب أو بعيد فشنقهم جميع ، ثم تتبع اسر الفاطمين بالقتل والسجن ، وكذلك نفى من بقى من حاشيةا لقصر إلى  أقصى الصعيد ، وكذلك السودان الذين حرقهم بالنار فى وجوههم وصدورهم ، وصادر جميع أملاكهم وأموالهم .[60]

 

ثورة الكنز 570هـ/ 1174م

الثورة التى فشلت فى العاصمة مالبثت أن اشتعلت فى صعيد مصر ، وكان هدفها أيضا إعادة الخلافة ، وقد قام بها ونظمها شخص يدعى كنز الدولة و الكنز مصرى فى الغالب من أهل الصعيد ، كان من قواد الفاطميين  وولي على أسوان ، وكان فى هذا الثغر حامية مستعدة بالسلاح ، إضافة إلى حاشية القصر وبعض الجند والسودان الذين ابعدهم صلاح الدين بعد الثورة الاولى إلى الصعيد ، ثم انضم الى الكنز عباس بن شادى والى قوص . وقد جمع حولهم عدد كبير  لم نسمع بمثله من قبل ، وبلغ مائة ألف من أهل الصعيد الاقوياء ، والجند المصريين والسودنيين . وقد قدر صلاح الدين خطورة ثورة الصعيد عليه ، حتى فكر فى الذهب بنفسه لإخمادها ، ولكن خوفه من تجدد الثورة بالقاهرة ، جعله يرسل اخاه العادل أبا بكر ، الذى استطاع أن يهزمهم ، ويقتل كنز وثمانين ألف من المصريين ، كما نهب بلاد الصعيد عقابا له ، واخذ اسرى كثيرين من اهلها ، صلب منهم ثلاثة آلاف ، مما دعى الى فرار عددكبير من المصريين إلى بلاد النوبة.

ومع ذلك لم تنتهى الثورات المصرية ضد صلاح الدين ، من أجل إعادة ادولة الفاطمية رغم كل الإجراءات القمعية التى لقيها المصريون الثوار من قتل وصلب وشنق ومصادرات للاموال ونفى لى خرج لبلد ، وحبسهم فى سجونه حتى يتوفهم لموت .

ولعل من المفيد أن نلقى نظرة ونختم ببعض لدروس المستفادة من هذا لبحث وهم نتيجه .

1-  أن الدولة الفاطمية قامت على أعتبارها دولة الحق – من وجهت نظر أصحابها- وكان مقرها أو قاعدتها مصر ، امتازت هذه الدولة بانفتاح أئمتها ودعاتها ، وكذلك كان ومايزال شعب مصر . النتيجة تأثر المصريين بمنهج آل البيت ومنهج دولتهم الفاطمية المصرية .

2-  أن الدولة الفاطمية كانت تمتلك مشروعا نهضويا فى كل العلوم والفنون لذلك كانت فى مصر أقدم الاكاديميات (دار الحكمة) ، وكل علماء هذا العصر .إذا النهضة قرينة العلم والتحرر من التعصب .

3-  الدولة الفاطمية جعلت من المصريين أصحاب دولة فكان منهم القواد والجند بعد أن ظلوا زمانا عبدا أرض وزراع .إذا المصريون كانوا ثوارا من أجل إعادة الدولة .

4-  ثمة شفونية مذهبية لدى المذاهب السنية تمثلت فى تأمر السلاجقة والخلافة العباسية على الدولة الفاطمية ، إذا الخطاب السنى واسسه المعرفية تقتضى مناقشته فى قبول الآخر المسلم ، قبل غيره .

5-  من الخطأ والكبيرة السياسية استوزار من يعادى منهج الدولة وسياساتها . النتيجة سوف تكون نهاية الدولة قريبة على يديه.

6-  أن الحروب الكبرى ، والحروب المتعددة ، وكذلك الكوارث الطبيعية من المؤكد أنها تغير شكل الدول والممالك . فى الإقليم الواحد أو الأقاليم المتجاورة .

                            

                          والله أعلم

 

 

 

 

  

 

 



[1]- عبد الرحمن بن خلدون ، مقدمة ابن خلدون ، 2/538.

[2]- المرجع السابق ، 2/602.

[3]- الدكتور على حسين الجابرى ، فلسفة التاريخ فى الفكر العربى المعاصر ، ص218.

[4]- المرجع السابق ، 320.

[5]- الدكتور عماد الدين خليل ، التفسير الإسلامي للتاريخ، نقلا عن مجلة التراث العربى ، مجلة فصلية دمشق العدد 98، حزيران 2005.

[6]- المرجع السابق

[7] - المرجع السابق.

[8]- د/ عبد المنعم ماجد ، ظهور الخلافة الفاطمية فى مصر ،ص301.

[9]- ابن تغرى بردى ، النجوم الزاهرة ،4/72.

[10]- أبن خلدون المقدمة 1/178. الماوردى ، الأحكام السلطانية ،ص208.

[11]-  ناصر خسرو ، سفر نامه.

[12]- د/ عبد المنعم ماجد ، الحاكم ، ص 64-65.

[13]-  المقريزى ، الخطط،2/168.

[14]- عبد المنعم ماجد ، المستنصر ،ص 145-156.

[15]- ابن ميسر ، ص6-7.

[16]- ابن الخطيب ،أعمال الأعلام ،ص435- 415.

[17]- ابن الأبار، التكملة ،ص622.

[18]- مختار العبادى ، مجلة معهد الدراسات الاسلامية مدريد 1953،ص 26.

[19]- ماجد ، ظهور الخلافة ،ص 304.

[20]- العينى ، تاريخ ورقات ، 187-188.

[21]- أبن إياس، 1/60.

[22]- ابن ايبك ، كنز الدرر، 6/215.

[23]- العينى ، تاريخ ، 187.

[24]- ابن اياس ، 1/60.

[25]- الخطط،2/141.ابن اياس ، 1/60.

[26]- الكامل ، 8/79.

[27]- ابن اياس ، 1/61.

[28]- عمر طوسون ، مالية مصر،ص224-229.حسن ابراهيم حسن ، تاريخ الفاطميين ،ص290.

[29]- ماجد ، ظهور الدولة الفاطمية ، 307

[30]- ماجد ، نظم الفاطميين ،1/196.

[31]-  المقريزى ، الخطط ، 3/12-14.

[32]- ماجد ، الحاكم، ص35.

[33]- الخطط، 1/152.

[34]- السابق ، 2/268، وتحت اسم سعد الدولة ،2/278.

[35]- النجوم الزاهرة، 5/34-45 .

[36]- النجوم ، 5/83.

[37]- عبد المنعم ماجد ، ظهور الدولة الفاطمية ، 322.

[38]- النجوم ،5/15.

[39]- الكامل ، 8/117- 118.

[40]- المقريزى ، الخطط، 2/ 212.

[41]- ابن حجر العسقلانى ، رفع الإصر، 57.

[42]- ماجد ، ظهور الدولة الفاطمية ، 329.

[43]- الخطط ، 2/90.ونفسه ، 2/184. انظر لين بول ، سيرة القاهرة ، ترجمة عربية ،ص145.نقلا عن ،عبد المنعم ماجد ، ظهور الخلافة الفاطمية فى مصر.

[44]- ابن الصريفى ، الإشارة ، ص23.

[45]- النجوم ، 5/120.

[46]- الخطط ، 3/18- 20.

[47]- الكامل ، 9/84-85.

[48]- ماجد ، ظهور الخلافة الفاطمية ، 379.

[49]- أبو شامة ، الروضتين ، 1/168.

[50]- الكامل ، 9/160. النجوم ، 5/351. الروضتين ، 1/156- 157.

[51]-  عبد المنعم ماجد ظهور الخلافة الفاطمية ، ص 387.

[52]- الروضتين ، 1/201. السيوطى ، حسن المحاضرة ،2/67.

[53]- ماجد، المرجع السابق ، ص 394.

[54]- الخطط ،2/216- 394-396.

[55]- المرجع السابق ، 2/395.

[56]- النجوم ، 5/357.

[57]- الروضتين ، 1/220.

[58]- حسن المحاضرة ، ص 2/178.

[59]- فلوس جمع فلس ، كامة يونانية أو لاتينية، انظر . أنستا س مارى ، النقود العربية ،ص 60- 65- 67.

[60]- راجع فى هذا : الخطط ،2/395. الروضتين 1/221- 262.النجوم ، 6/117.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية