روائع النغم السياسي
معجزات حزب الله في لبنان وروائع النغم
الفاطميون

الفاطميون

وحماية المقدسات الحجازية

                                                               بقلم/ محمود جابر

 

                                     على سبيل التقديم

مازلنا نحيا في حالة من الحرب الثقافية الباردة، واستقطاب العقول في معارك دنكشوتية مع طواحين الهواء.علماء ينظرون ويفتون ويسطرون أقوالا ما انزل الله بها من سلطان، كالخطر الشيعي والاحتلال الصفوى والغزو الفارسي. إنها حالة من النزيف الفكري الحاد.عمت الأعين أن ترى الاحتلال الصهيوني والجرائم الصهيونية وقتل العقول والأنفس والأفذاذ منا كل يوم في العراق وفلسطين ولبنان وغيرها.صمت الآذان أن تسمع سيل البيانات والمعلومات التي تصدر عن العديد من المؤسسات الاحتلالية لتشعل نارا تأكل اليابس والأخضر وتتركنا عصف مأكول.

أما زال هؤلاء لا يفقهون ولا يعلمون أن الذين استدرجوهم في السابق لخوض معاركهم هم أنفسهم ما يزالون يستعملونهم في كل معركة وكأنهم أحصنة تركب ظهورها وأفيال لا ذاكرة لها  .متى نتعلم ثقافة الاختلاف وان نقبل المختلف منى،  ومتى نصل إلى فهم الأولين أمثال أبو الحسن الاشعرى الذي خط في سفره العظيم ( مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) حينما عدد فرق المسلمين وجماعتهم وقال قولته المشهورة: " وكلهم من رسول الله آخذ"، متى يقلع هؤلاء التكفيريين عن تكفيرهم للأمة وللناس؟ هل لأنهم يرفضون أن يكونوا مثلهم خدم في بلاط المحتل... أم لأنهم مسلمين قولا وفعلا وان سماحتهم سوف تكشف زيف ادعائهم بأنهم حرس الشرع والدين وأنهم خلفاء وأوصياء على خلق الله ؟!!.

إن قراءة التاريخ شيء هام وفهم حكمته شيء أهم. من هنا نحن في حاجة إلى استعراض تجارب تاريخية للحكم والفكر والعلم والدين للإشراف وحماية المقدسات لإبداع مناهج جديدة في التفكير والاحتفال والبناء. من كل هذا نقدم قراءة جديدة في واحدة من أعظم دول الإسلام في التاريخ الوسيط وهى الدولة الفاطمية ودورها في حماية الأمة والمقدسات في وقت كان من أصعب الأوقات حين كثر القحط والجدب وفر الناس من ارض الحجاز وكثر الطامعين، كيف أضفى هؤلاء الحكام المنتسبين إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا، وكيف أضفوا البهجة والسرور في نفوس الحجازيين ولم يقهروهم أو يحرموهم أو يمنعوهم، وإنما حفظوا لهم حقهم وحفظوا جوارهم ودافعوا عن بلادهم التي هي بلاد كل العرب وكل المسلمين، وليس كما فعل آل سعود الذين استولوا على السلطة والثروة ومقدساتنا ليسددو كل يوم لنا طعنة جديدة من خلال فتاوى شيوخهم وتأمر ساستهم.. حتى فاض الكيل.

بين السنة والشيعة ( التعاون من أجل درء الأخطار والفتن )

قطعني صديق لي وأنا أتحدث عن الدولة الفاطمية بقوله هذا المسمى خطأ فاسمها الحقيقي دولة العبيديين، ومؤسسها شخص يهودي أو ربما مجوسي ادعى الإسلام، ونسب نفسه لآل البيت وهذا ما سمعته من أغلب العلماء وقد أطلعت على فتوى الأمانة العامة لدار الإفتاء بالسعودية وفتوى الشيخ عبد العزيز بن آل الشيخ.فلماذا تسر على الكتابة عن هذه الدولة وهذا حالها وتلك عقيدتهم وأصلهم.قلت له: أخي العزيز هون عليك. أحب أن أسالك سؤالا فقال: تفضل.

فقلت: هل قرأت شيء عن الفاطميين ؟

قال:لا. فقلت: أأسمعك شيء من كلامهم. قال: نعم أحب. فقلت: ونقلا عن كتاب( ظهور الخلافة الفاطمية في مصر ) للدكتور عبد المنعم ماجد.كتب معد أبو تميم (المعز لدين الله الفاطمي كتابا قال فيه:"طلبت الرفعة وجدتها في التواضع ، طلبت المودة وجدتها في الصدق ، وطلبت الرياسة وجدتها في العلم ، وطلبت الكرامة وجدتها في التقوى ، وطلبت النصرة وجدتها في الصبر ، وطلبت العبادة وجدتها في الورع ، وطلبت الغنى وجدته في القناعة ، وطلبت الشكر وجدته في الرضا ، وطلبت الراحة وجدتها في ترك الحسد ، وطلبت ترك الغيبة وجدته في الخلوات ، وطلبت الملك وجدته في الزهد ، وطلبت العافية وجدتها في الصمت ، وطلبت الأنس وجدته في ترتيل القرآن ، وطلبت قتل الحيران وجدته في ذكر الله ، وطلبت البر وجدته في الأنفس السخية ، وطلبت رحمته يمن علينا بها " معد أبو تميم (المعز لدين الله الفاطمي ).[1]

فقال: هذا كلام جميل ويدل دلالة واضحة على صدق إسلامه وتقواه وزهده، لكن لعلك لا تنكر أن هناك خطر شيعي !!

فقلت:سوف أحيلك إلى ما كتبه فيصل القاسم في( الجزيرة نت ) حول الخطر الشيعي:"ليس من باب الصدفة المحضة أن تتقاطر التحذيرات من «خطر الشيعة»، في الوقت نفسه الذي تحاصر فيه الإدارة الأميركية إيران، وليس من قبيل الصدفة كذلك أن يتعاظم الحديث عن دور إيراني في تصفية وإجلاء السنة في العراق.مصر، أم الدنيا، بلد عشرات الملايين من الخلائق، وعشرات العشرات من الملل والنحل والطوائف والمذاهب والطرائق، تنطلق فيها صيحات التحذير من خطر الشيعة لمجرد أن بضعة أشخاص تشيعوا! كيف يراد لنا أن نقبل هذا؟ الأردن تترك كل مشاكلها الداخلية والخارجية وتأتي في هذه اللحظة لتحذر من خطر الهلال الشيعي... أليس هذا غريبا؟!

بيانات «للعلماء والمشايخ» تخرج لتدعو إلى دعم «المسلمين السنة» في العراق، في هذا التوقيت بالذات، على الرغم من أن الاحتراب والاقتتال يعصف بكل أهل العراق دون استثناء ويحصد أرواح أبنائهم ليل نهار دون تفرقة، ورغما عن كون المحتل جاثم على أنفاسهم جميعا دون تفريق... أي منطق هذا؟!

مقالة نواف عبيد المستشار الأمني السعودي في واشنطن عن كون السعودية لن تبقى ساكنة دون تدخل في العراق في حال خرجت القوات الأميركية وأنها ستتدخل لنصرة السنة، تلك المقالة التي استقال أو يقال أنه تم فصله على أثرها؟! أمر غريب من طرف استثنائي!

كذلك تسريبات صحيفة النيويورك تايمز وتأكيدها على لسان مسئولين أميركيين بارزين لمعلومات في السياق نفسه، أمر مريب أيضا.

هذه المتقاطرة من التصريحات والمقالات والتـــــسـريبات، والتي ظهرت في ذات التوقيت الذي تحاصر فيه الإدارة الأميركــية جــــــمهورية إيران بحجة برنامجها النووي، ألم تثر أي قطرة من ريبة فـــــــي نفــــوس أولئك الذين قفزوا دون تردد ليلتحقوا بقاطرة التنبيه والتحذير من الخطر الشيعي؟!

كيف يراد لنا أن نصدق أنه في ظل هذه الظروف الإقليمية الصعبة، وفي ظل هذا الترصد الأميركي المكشوف لإيران والمحاصرة الغربية لها والتي تبحث عن أي ذريعة لتعضيد موقفها،أن تقدم إيران وبكل سذاجة على هذه الفكرة؟! كيف يمكن أن تفكر إيران باختراق العراق ودول الخليج والأردن بل ومصر؟! غير معقول لا منطقا ولا موضوعا![2]

إنه أمر واضح لكل صاحب بصر وبصيرة. من أن هذه المسرحية التي كتبت بدقة لإثارة المخاوف بهذا الشكل المتزايد من الشيعة والتشيع، والتي قفز على منصتها الكثير من السنة من مختلف المستويات الثقافية والجهات، لم تكن إلا أداة جديدة يراد من ورائها تضييق الخناق على إيران، ومن ثم الدفع بالمنطقة بأسرها إلى مزيد من الاحتقان والاشتعال الطائفي.

إن من الواجب علينا في دول الخليج، ونحن نعيش في مجتمعات يتعايش فيها السنة والشيعة جنبا إلى جنب منذ عشرات السنين دون أي مشاكل تذكر، أن نكون حذرين كل الحذر من الانزلاق في هذا المنزلق الصعب واستيراد نار الطائفية التي أشعلها المحتل في العراق إلى بلداننا، بل من الواجب علينا أن نضرب على يد كل من يحاول ذلك!

الشبح الشيعي ووهم صناعة العدو (أفغانستان الجديدة)

هل أصبحنا كعرب ومسلمين لا نفكر إلا من خلال عقلية طائفية ووكأننا أقلية مذهبية ؟  ونتمادى في غينا وضلالنا ونخترع ألف ألف أفغانستان وألف ألف روس شيعيين كل يوم حتى نحارب للولايات المتحدة الأمريكية معاركها على الدوام ؟

وهل حقا نحن كما قال موشى ديان عندما قال قولته المشهورة: «العرب أمة لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت لا تفعل»! ونحن نقول كم ذاكرتنا العربية والإسلامية قصيرة كذاكرة الفيل، فسرعان ما ننسى لنقع في نفس الأشراك التي لم نكد نخرج منها بعد. لماذا لا نعتبر بسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: «لا يـُلدغ المؤمن من جُحر مرتين»، و نسمح لنفس الأفعى أن تلدغنا من نفس الجُحر مرات ومرات؟ لماذا لم يتعلم الإسلاميون الوهابيون من تجربتهم المريرة في أفغانستان؟ ألم تخدعهم أمريكا بالتطوع في معركتها التاريخية للقتال ضد السوفيت ليكونوا وقوداً لها، ثم راحت تجتثهم عن بكرة أبيهم بعدما انتهت مهمتهم وصلاحيتهم، وتلاحقهم في كل ربوع الدنيا، وكأنهم رجس من عمل الشيطان، فاقتلعوه؟ لماذا يكررون نفس الغلطة الآن بالانجرار بشكل أعمى وراء المخطط الأمريكي لمواجهة «الخطر الشيعي» المزعوم، علماً أن الكثير من رفاقهم ما زالوا يقبعون في معتقل غوانتانامو، وينعمون بحسن ضيافة الجلادين الأمريكيين الذين يسومونهم يومياً سوء العذاب، ويدوسون على أقدس مقدساتهم؟

فبرغم اصطدام المصالح إلى حد المواجهة العسكرية و«الإرهاب» بين الأمريكيين والإسلاميين الوهابيين في السنوات الماضية، إلا أن مصالحهم، ومن سخرية القدر، بدأت تلتقي في الآونة الأخيرة عند نقطة واحدة، ألا وهي مواجهة إيران والشيعة (الفكرة والمشروع). فمن الواضح الآن أن هناك خطة مفضوحة لإعادة إنتاج «تحالف أفغانستان»- سوء قمة العقبة وقمة إسلام أباد-، في مواجهة «الخطر الشيوعي» قبل ربع قرن من الزمان، كأن يُعاد تشكيل التحالف ذاته وبمكوناته ذاتها، ولكن في مواجهة «الخطر الشيعي» المزعوم هذه المرة. ما أشبه الليلة بالبارحة!

بالأمس القريب تنادى الوهابيون من كل بقاع الأرض، وشدوا الرحال إلى أفغانستان استجابة لنداء «الجهاد» الذي أطلقه الأمريكيون وبعض الاستخبارات العربية لمحاربة الروس السوفيت، مع العلم أن فلسطين كانت على مرمى حجر منهم، لكنهم فضلوا «الجهاد» في بلاد الأفغان لتصبح كابول المنسية، بقدرة قادر، مربط خيلهم! كيف لا وقد زين لهم الأمريكيون وأعوانهم روعة الكفاح ضد «الكفار الروس»، وجمعوا لهم المليارات من الخزائن العربية السخية كي يطهرّوا أفغانستان من «الرجس السوفييتي» «حوالي اثنين وعشرين مليار دولار».

وفعلاً أبلى الأفغان العرب بلاء حسناً ضد المحتل الروسي، وتمكنوا، مع المجاهدين الأفغان، من طرد القوات الروسية، وظنوا، وهنا كل الظن أثم، أنهم سيتوجون كالفاتحين بعد عودتهم إلى أوطانهم، وأن أمريكا ستبني لكل واحد منهم تمثالاً من ذهب تقديراً لهم على بطولاتهم الخارقة في بلاد الشمس ضد الجيش الأحمر. وهنا كانت الصدمة الكبرى بعد أن جاء جزاؤهم كجزاء سنمار، فتخلى عنهم رعاتهم وعرابوهم ومتعهدوهم القدامى من عرب ك(العربية السعودية ومصر والأردن واليمن الخ) وأمريكيين ونبذوهم، فوجد المساكين أنفسهم في ورطة، خاصة وأن بعض الدول العربية المصدّرة للأفغان العرب رفضت استقبالهم، وتبرأت منهم، وراحت تطاردهم، وتحاصرهم، وتجتثهم، كما لو كانوا ورماً سرطانياً، بتواطؤ أمريكي مفضوح، وكأنهم مجرمون لا يستحقون إلا السجن والقتل والسحل والحجر الصحي، فبلع بعضهم خيبته، وكظم غيظه، ومات البعض الآخر كمداً، بينما انقلب آخرون على الأنظمة العربية والأمريكيين الذين غرروا بهم واستغلوهم وقوداً في المعركة ضد السوفيات في أفغانستان. فظهرت بعض الجماعات التي راحت تمارس العنف انتقاماً من الذين ضحكوا عليها.

ولا داعي للتذكير بأن بعض التنظيمات التي تعتبرها أمريكا «إرهابية» ظهر كرد على نكران الجميل الأمريكي للإسلاميين الذين يزعمون أنهم لم يوالوا الأمريكيين يوماً، لكن المصالح تقاطعت بغير رضاهم. وحتى لو كان ذلك صحيحاً، أرجو ألا نسمع في الأيام القادمة أن مصالح «الفاشيين الإسلاميين»، كما يصفهم الأمريكيون، قد تقاطعت مرة أخرى مع المصالح الأمريكية ضد «المجوس» هذه المرة، كما كانت قد تقاطعت من قبل ضد السوفيات في أفغانستان، وكما تقاطعت قبلها بمئات السنين «بغير رضاهم» أيضاً مع مصالح أعدائهم الفرس في معركة مؤتة ضد الروم! وكلنا يعرف ماذا كانت نتيجة هذا التقاطع القاتل. أرجوكم فكونا من هذه التقاطعات حتى لو كانت غير مقصودة، وفكروا ألف مرة قبل أن تتحفونا باسطوانة تقاطع المصالح المشروخة مرة أخرى!

ولا داعي لشرح العداء الذي تكوّن بعد هزيمة السوفيات في أفغانستان بين أمريكا و«مجاهديها» القدامى الذين «تقاطعت مصالحهم معها»، بحيث وصل إلى حد قيام الأمريكيين بالضغط على الأنظمة العربية، ليس فقط لتقليم أظافر الإسلاميين وتجفيف منابعهم، بل لتنظيف المناهج من الكثير من المفاهيم والقيم الإسلامية الجهادية، وحتى حذف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. بعبارة أخرى فحتى معتقدات «المجاهدين» التي استغلها الأمريكيون في المعركة مع «الكافرين الروس» غدت عرضة للتدخل والتعديل والتحريف الأمريكي. وكنا نظن بعد كل الذي حصل بين الطرفين أن الإسلاميين لن يغفروا لأمريكا فعلتها الشنيعة بحقهم مادياً ومعنوياً، وبأنهم تعلموا الدرس، فلن يعيدوا لعبة تقاطع المصالح القميئة ثانية، وأنهم أصبحوا مستعدين للتحالف حتى مع الشياطين للانتقام من العم سام ومن الذين ورطوهم في أفغانستان ثم انقضوا عليهم ونكلوا بهم.

لكن، على ما يبدو أن بعض الإسلاميين لم يتعلم الدرس،أو إن أضواء الشهرة والمال ما تزال تداعب أحلامهم ،لذلك راح أغلبهم  يستمتع بلعبة تقاطع المصالح المهلكة، فبدأ يبلع خلافه مع الأمريكيين، وكأن الذي حصل بين الجانبين من معارك طاحونة في الأعوام الماضية يهون عند «الخطر الإيراني» المزعوم الذي بدأ يروج له الأمريكيون ووسائل الإعلام العربية المتحالفة معهم بنفس الطرق التأليبية والتحريضية المفضوحة. يا الله كم نحن مغفلون وقاصرون وسطحيون وليس لنا أي ذاكرة! هل يعقل أن الإسلاميين الوهابيين نسوا كل المآسي التي أنزلها بهم الأمريكيون، ومازالوا ينزلونها، في العراق وفلسطين ولبنان والصومال وأفغانستان ذاتها التي تعاون الأمريكيون و«المجاهدون» الإسلاميون على تحريرها من الروس؟ هل نسينا عبثهم في صلب العقيدة الإسلامية، لنبتلع طـُعمهم الجديد الذي يريد أن يزج بالشباب المسلم هذه المرة ضد إيران والشيعة وكل فكرة ما تزال بكرا لم تلوثها الايدى الأمريكية، فراحوا يقتحمون غمار لم يكن له فيها لا ناقة ولا جمل؟ هل نسينا خدعة الخطر الشيوعي كي نقبل بتلك الكذبة الكبيرة التي يسمونها الآن بـ«الخطر الشيعي»؟ للتذكير والمقارنة فقط، كان الاتحاد السوفيتي يمتلك ألوف القنابل النووية، بينما ما زالت إيران في مرحلة التخصيب، ولم تتمكن من صنع قنبلة يتيمة واحدة.

صحيح أن إيران ارتكبت أخطاء فادحة في الآونة الأخيرة ووقعت هي نفسها في الأفخاخ الأمريكية الهادفة إلى إشعال فتنة كبرى بين الشيعة والسنة، وصحيح أن سياستها في العراق مخزية وطائفية قذرة إلى أبعد الحدود. وصحيح أن أمريكا عرفت كيف تستغل أخطاء إيران وتؤلب الشارع العربي والإسلامي عليها بعد إعدام صدام حسين في أول عيد الأضحى المبارك وسط هتافات طائفية بغيضة، كما كانت، ومن سخرية القدر، قد ألبته من قبل ضد صدام نفسه. لكن مهلاً كي لا تأخذكم الغيرة العمياء بعيداً، فاللعبة من ألفها إلى يائها لعبة أمريكية هوليودية من أجل أهداف أمريكية وإسرائيلية محضة ليس لكم فيها لا «خيار» ولا «فقــّوس». هل نسيتم أن الذي مكـّن إيران من رقبة العراق هي أمريكا وبعض الأنظمة العربية «السنية»؟ هل ترضون بأن تحققوا أغراض تل أبيب، كما حققتم من قبل أهداف واشنطن في أفغانستان، وشاهدتم ماذا كانت النتيجة؟ إذا كان لديكم مشكلة مع إيران فلا تخوضوها مع الأمريكيين، لأنهم لا يريدونكم فيها سوى أدوات وأحصنة طروادة لتحقيق مصالحهم فقط، رغم زعمكم بتقاطع المصالح.

لماذا لا يسأل المتحمسون لخوض معركة أمريكا وإسرائيل ضد إيران هذه المرة السؤال التالي: ماذا جنينا من مساعدة أمريكا في طرد السوفيات من أفغانستان، ثم ماذا كسبنا من تمكين الأمريكان من رقبة هذا العالم ومن رقابنا ليصبحوا القوة العظمى الوحيدة التي تصول وتجول دون وازع أو رادع، وتستبيح بلادنا ومقدساتنا بلا شفقة ولا رحمة؟ ألا نتحسر على أيام القطبية الثنائية عندما كانت أمريكا تجد من يردعها في مجلس الأمن، وعندما كنا نجد طرفاً نتحالف معه، أو نستنجد به في وجه الجبروت الأمريكي الرهيب؟ آه ما أجمل أيام السوفيات! آه ما أجمل أيام الردع المتبادل! آه كم كان خور وتشوف رائعاً عندما حمل حذائه وراح يدق به منصة الأمم المتحدة بكل عزة وكبرياء!

هل أصبح وضع الإسلاميين الوهابيين في العصر الأمريكي أفضل مما كان عليه في العصر الأمريكي السوفيتي؟!.

 لقد ضحك الأمريكيون على الوهابيين بتصوير السوفيات على أنهم جاؤوا لإفساد أفغانستان المسلمة، ونشر الرذيلة فيها، ووضع الإناث والذكور في مدارس مختلطة. أما الآن فالأمريكيون يتباهون بتحرير المرأة الأفغانية من «الاضطهاد الإسلامي»، ودفع الأفغانيات إلى السفور، وتشجيع الفسق، وبيع اللحم البشري، وتزييف عقول الشباب الأفغاني، وحشوها بالمخدرات والسخافات والموسيقى الغربية الهائجة بحجة التحرر. ألم يعلق الأمريكيون صور نساء كاسيات عاريات على جدران كابول بعد غزوهم الأخير لها مباشرة كدليل على تحريرها من تعصب طالبان؟ والسؤال الأهم: كيف يتنطع البعض للوقوف مع الأمريكان ضد إيران وحزب الله وسوريا  بينما مازالت أفغانستان درة الجهاد الإسلامي تحت أحذية اليانكي الثقيلة؟ أليس أولى بكم أن تحرروا أفغانستان أولاً قبل الهيجان ضد إيران؟

متى يدرك الإسلاميون الوهابيون أن أمريكا لا تفضل سني على شيعي بأي حال من الأحوال، فالجميع، بالنسبة لها، إرهابيون وحثالة وقاذورات، كما سمعنا من كبار كبارهم، ونسمع يومياً على رؤوس الأشهاد. وعندما يتغوط الضباط الأمريكيون على كتاب المسلمين في غوانتانامو لا أعتقد أنهم يميزون في تلك اللحظات الحقيرة بين إيراني وسعودي، أو اثني عشري وشافعي، أو وهابي ونصيري، أو درزي وإسماعيلي. «يا جند الشيعة والسنة، أعداء محمد هم أعداء علي، وقنابلهم، كمدافعهم، لا تعرف فرقاً بين الشيعة والسنة».

ليس المسلمون وحدهم فرقاً ومذاهب، فالمسيحيون ينقسمون إلى عشرات الطوائف والفرق، لكنهم في وقت الشدة يقفون صفاً واحداً، والفاتيكان قبلتهم، بروتستانت وكاثوليك. وكذلك اليهود. متى سمعتم، بربكم، أن يهودياً تحالف مع مسلم ضد يهودي حتى لو كان الأخير من مذهب الشياطين السود؟ متى تحالف كاثوليكي مع مسلم ضد إنجيلي أو أرثوذوكسي؟ هل يقبل أي يهودي أو مسيحي أمريكي أن يكون أداة في أيدي المسلمين كي يقتل مسيحياً أمريكياً آخر أو يناصبه العداء،حتى لو كان من أتباع القرود الحُمر؟ بالمشمش!

فلماذا نقتل بعضنا البعض إذن على المذهب والطائفة والهوية، ونخوض معارك دونكوشوتية إرضاء لغاياتهم ومخططاتهم؟ متى تكبر عقولنا وننضج ونتوقف عن خوض معارك الآخرين بدمنا ولحمنا الحي وثرواتنا وعقيدتنا؟ متى نقول لموشي دايان إننا أمة تقرأ، وتفهم، وتتعظ، وتفعل؟

ولعل السؤال الذي يبقى دون إجابة من وراء هذا الأمريكان أم الصهاينة أم المغفلين النافعين الذين يمكن أن نشير إليهم  بالبنان ونقول إنهم اسلامى الوهابية وأموال السعودية ، هؤلاء الذين وضعوا أنفسهم تحت لافتة كتب عليها (جاهز وتحت الطلب) لكل مستعمر يحتل بلادهم وعقولهم ويأمرهم فلا يتوقفوا عن فحوا الطلب أو الأمر ولكنهم حريصين على تنفيذه اى أمر  إرضاء لسيدهم مهما اختلف اسمه أو موقعه الجغرافي .

مما سبق وجب علينا أن نفتح وندرس تجربة هي من أفضل التجارب على الإطلاق في تاريخنا كعرب وكمسلمين ، ونقول لماذا كانت الدولة الفاطمية الأفضل دون غيرها .[3]

 

لماذا الدولة الفاطمية

لو بحثنا فيما يميز الفاطميون عن غيرهم من الخلافات الإسلامية لوجدنا للدولة الفاطمية محاسن جمة ولو أنها لم تنفرد بها وحدها بل شاركتها فيها كثير من الدول ولكن قلما تجدها مجتمعة في دولة واحدة على امتداد فترة حكمها. كفتح المجال للكفاءات من شتى المذاهب والديانات لتبوء أعلى المناصب السياسية طالما فيه تحقيق للمصالح العليا للدولة المواطنة الغير منقوصة .[4]  وكدفاعهم عن ثغور الإسلام كما نصروا أهل أقريش والشام ضد الروم .[5] مع أنهم تحت حكم خصومهم العباسيين، وكاحترام العلم والعلماء وإطلاق العنان لهم بدون قيود بل وحتى دعمهم والإغداق عليهم .[6] وكتقلد المرأة المناصب السياسية والدينية كالسيدة الحرة.[7]  أو لعبها دوراً هاما في صنع القرار كست الملك أخت الحاكم بأمر الله .[8]  وأسماء بنت شهاب زوجة علي الصليحي، كما كان للمرأة مجالس لتلقي العلم والتعليم. وكالبدء من حيث ما انتهى أسلافهم فحكموا مصر بمساعدة الكوادر الإخشيدية فلم تقم دولتهم على تصفية سلفهم ولا نبش قبورهم .[9]  ومسح هويتهم والعودة إلى نقطة الصفر. ولم يتهموا مسلما بأنه أشد خطراً من اليهود والنصارى حتى لو كان معاديا لهم إذ أنهم احتووا كل الدينات، وتتجلى روعة هذا الموقف حين استعان الأمويون في الأندلس بالروم على الفاطميين في المغرب فسأل المعز لدين الله مستشاريه فقالوا نهادن الروم ونقاتل الأمويون فقال : معاذ الله! ما كنت بادئا إلا بمن بدأ الله عز وجل به، قال تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ فهم أقرب إلينا[10].

فهذه خصال قد يكون شاركهم فيها غيرهم إلا أن الميزة التي أراها لم تتوفر في سواهم هي التسامح والحرية الدينية، ونذكر شيء من تسامحهم وعدلهم لكل المذاهب والديانات، ففي عام 362هـ رأى السنيون في مصر أن الشيعة يحتفلون بعيد الغدير فأرادوا الاحتفال بعيد لهم نكاية في الشيعة فقالوا أن 26 من ذي الحجة هو يوم دخل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غار ثور مع أبي بكر فاتخذوه عيداً وبالغوا في إظهار الزينات ونصب القباب فوجدوا متسع من الحرية خولتهم القيام بذلك ونفس الوضع بالنسبة للأقباط كانوا يحتفلون بكل أعيادهم كالنيروز وما سواه.[11]  وتوج الحاكم بأمر الله الدعوة بحرية العبادة بسجل تضمن المبدأ الليبرالي الحر القائل : (لكل مجتهد في دينه اجتهاده، وإلى ربه معاده، وعنده كتابه وعليه حسابه).[12]
وجعل المالكية يدرسون مذهبهم بدار الحكمة، وعين في رئاسة القضاء بمصر وبلاد الخلافة سنياً، وهو أبن أبي العوام، الذي أستمر في القضاء من سنة 405هـ إلى سنة 411هـ. وحينما قال الناس: "أنه ليس على مذهبك"، قال : "هو ثقة مأمون مصري عارف بالقضاء وبأهل البلد، وما في المصريين من يصلح لهذا الأمر غيره" وكذلك اشتهر عصره بتولي القضاء من قبل مالكية وشافعية.
[13] ومنع سب أعداء مذهبه ولم يعامل أعدائه بالمثل الذين كانوا يسبون علياً من على منابرهم، سيما العباسيون في العراق، والأمويون في الأندلس. فحينما جاء المعز لمصر، لم يلعن لأعنيه، وإنما كتب على سائر الأماكن بمدن مصر ((خير الناس بعد رسول الله  صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام)) وأصدر الحاكم بأمر الله سجل في شهر رمضان سنة 398هـ، وها هو نصه:"بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله ووليه أبي علي الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، إلى كل حاضر وباد. أما بعد فإن أمير المؤمنين يتلو عليكم أية من كتاب الله المبين، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ مضى أمس بما فيه، وجاء اليوم بما يقتضيه. الصلاح والإصلاح بين الناس أصلح، والفساد والإفساد بينهم مستقبح؛ إلا من شهد الشهادتين أحق أن تنفك له عروة، ولا توهن له قوة. بحي على خير العمل يؤذن المؤذنون ولا يؤذنون ويخمس المخمسون ويربع المربعون في الصلاة على الجنائز ولا يعترض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون، ويشتم السلف ولا يبغي الخلف. تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون. معشر المؤمنين، نحن الأئمة، وأنتم الأمة، عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم تعلمون. والحمد لله رب العالمين، وصلواته على رسوله سيدنا محمد وآله الأكرمين".[14] 

بل حتى المذاهب المتفرقة داخل الأديان الأخرى غير الإسلام قد وجدت لها فسحة، فقد حدث خصومة في عهد الأمام الظاهر لإعزاز دين الله بين مذهب "القرائين " ومذهب "الربانيين"، وهما أهم الفرق اليهودية الباقية حتى الآن، وبينهما حرب عنيفة وتكفير، وكان سبب هذه الخصومة أن المشرف اليهودي على قصابي اليهود كان من طائفة الربانيين. وللقرائين في شئون الذبائح مذهب يختلف عن مذهب الربانيين. فمن ذلك أنهم يحرمون ذبح أنثى الحيوان في أثناء حملها بينما يجيز ذلك الربانيون. فحدث احتكاك عنيف بين الطائفتين. وطلب القراءون أن يسمح لهم بحوانيت خاصة للحوم الأنعام والطيور تخضع لتفتيشهم هم ولا تخضع لتفتيش محتسب الربانيين. وأن يسمح لهم بفتح حوانيتهم في أعياد الربانيين التي لا يعترفون هم بمواقيتها حيث كل فرقة لها تقويمها الخاص. وقد استجاب الإمام الظاهر لمطالب القرائين وأصدر مرسوما في 11 من جمادى الأولى سنة 415هـ 1024 ميلادية هذا نصه: " من تتبع عاداتكم، واستمراركم في تقاليدكم التي أخذتموها عن دياناتكم بدون عائق يقوم من طائفة ضد الأخرى أو قيام معاملة خشنة بينكما، فهذا يدعوا إلى السماح لكل طائفة بأن تعيش وتعبد كما تهوى، مع تمكين كل طائفة في بيع أو شراء ما تشتهي، وأن تحتفل بعيدها كما تريد ومتى ترغب بكامل حريتها ومطلق أرادتها. وأحذر الطائفتين من التدخل أو إحداث شغب أو مضايقة بعضهما. أن الأمان مكفول لكم جميعا. وعليكم عدم تمكين شرير بينكم من الإتيان بشيء ممنوع. وعليكم تجنب المناقشات التي تؤدي إلى سوء العاقبة. وعليكم المحافظة على ذلك. والعقوبة ستحل بكل فرد يتجاوز حدوده ويأتي بأعمال محرمة. فمثل هذا الشخص سيعاقب عقوبة شديدة وسيكون مثالا لغيره حتى لا يحتذي به أحد. كذلك يحرم التدخل في شئون طائفة القرائين في معابدهم الخاصة بهم وحدهم ".

"وهذا الأمر صادر من أمير المؤمنين. فعليكم العمل على تنفيذه واحترامه، وعلى أمير الجيوش –ساعده الله- أن يساعد على تنفيذه، وعلى رؤساء الأقاليم العناية العادلة بالطائفتين، وعلى الحكام إصدار الأوامر الخاصة بوجوب العناية والمحافظة على أفراد الطائفتين والعمل على عدم اضطهادهم. وليحترم هذا الأمر بواسطة الذين كتب لهم أن شاء الله. حرر في يوم الأربعاء 11 جمادى الأول عام 415 هجرية".[15]

ومن هذا تظهر السماحة في معاملة أهل الديانات الأخرى وتذليل الفرص لأتباعها في مزاولة عباداتهم وأداء شعائرهم. وهذه أظهر سمة من سمات الكمال للدين الإسلامي القويم .

ونتيجة لهذا المناخ أستقطب العلماء والمفكرين والفلاسفة الذين كانوا يقتلون بتهمة الزندقة والإلحاد في بقية الأقطار بعدما وجدوا فضاء الحرية ماداً يديه إليهم بالقبول والترحاب.[16]

لم يكن هذا حال الفاطميين مع أهل الكتاب كما يدعى المرجفون ،لكن هذا الموقف من السماحة والحرية ينبع من فهم الفاطميين للدين الاسلامى على وجهه الصحيح ، لذلك فإنهم كانوا مع باقي المسلمين أكثر سماحة واعتدال وأحبتهم رعيتهم في دولة القاعدة (مصر ) التي انطلقوا منها إلى الشام والحجاز  واليمن من اجل تعزيز نفوذهم وتقويض الدولة العباسية التي أصبحت دولة متسلطة ولم يعد يرجى منها خيرا

النفوذ الخارجي للفاطميين و حماية المقدسات

بعد أن اطمأن الفاطميون على خلافتهم ، وبدأوا  في تنفيذ سياساتهم الحربية ، باتخاذ مصر بالذات قاعدة لتحقيق  هذه السياسة . فمصر منذ الفتح العربي الاسلامى لم تكن إلا ولاية تابعة للخلافة الإسلامية تنفذ ما تمليه عليها المدينة أو دمشق ، ومن بعدها بغداد . ولكن الفاطميين جعلوا منها خلافة مستقلة استقلالا تاما ، تقف على قدم المساواة مع أية خلافة أخرى ، ومما جعل لمصر فىعهدهم سياسة إسلامية خاصة بها .وبذلك عادت إلى مصر روح المركزية والاستقلال وتوجيه السياسة الدولية .

ولم يكن قصد الفاطميين في سياستهم الحربية فرض سيطرة عنصر معين ،كما فعل الأمويون أو العباسيون ، فالدولة الجديدة دولة مواطنة والكل فيها سواء لا فضل لجنس أو لعنصر على أخرى  فالكل اندمج في هذه الروح الإسلامية التي تعبر عن فهم حقيقيا للإسلام "لافضل لعربي على اعجمى "(الحديث) . لقد أصبحت الدولة الفاطمية في مصر قاعدة في الدفاع عن الإسلام وكيانه .

كانت الخلافة الفاطمية تعتقد بان الله قد اختارها لتحكم الأرض كلها ، أو على الأقل تكون سيطرتها على دار الإسلام ، ويتبين هذا الاتجاه من قول الشاعر ابن هانىء عند مدحه المعز :وأنت معد وارث الأرض كلها .[17]

كذلك ورد في خطبة خطيب الجامع العتيق في الفسطاط عند فتح الفاطميين لمصر : وورثه مشارق الأرض ومغاربها .[18]

فكانت الخلافة الفاطمية تعتقد أن الولاية أي الطاعة في دار الإسلام لا يجب أن تكون إلا للإمام الفاطمي فوجود خلافتيين أو أكثر ليس له مكان في عقيدة الفاطميين . فيرى ناصر خسرو ، الفيلسوف الشيعي ، أن حكم الإسلام ملك للإمام وليس لغيره اى حق فيه.[19]

 ومن هنا كان الفاطميون يعملون كل ما في وسعهم من اجل أن يدعى لهم وللإمام على منابر الحرمين ، بسبب أهمية الحرمين الشريفين في الإسلام وانهما قبلة المسلمين جميعا .ثم بالنسبة لهم خاصة لوجود قبر السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، التي ينتسب إليها الفاطميين .

وجدير بالذكر انه لما قامت الدولة الفاطمية  في مصر مدت سلطانها إلى الحجاز ثم إلى اليمن وعملوا على جعلهما وحدة إدارية واحدة. وكل من قام في الشام ومصر من دول كالأيوبيين والمماليك كانوا يمدون سلطانهم إلى الحجاز واليمن، فهما مترابطان في كل توجه إداري عند السلطات الحاكمة.

واستكمالاً للجانب التنظيمي فإن الدارس المدقق لم يجد التمييز في التولية الإدارية والقضائية والمكانة العلمية أثناء الدولة الفاطمية ،فلم يتمايز المضري عن اليمني ولا النزاري عن القيسي والقحطاني . وهكذا فهم كيان واحد فالقاضي شريح الكندي يضرب به المثل في القضاء وعبد الله بن عباس العدناني يعد حبر الأمة، ومعاذ بن جبل الأزدي الأنصاري اعلم الناس بالحلال والحرام وهكذا.

فالإسلام حينما عاشه هؤلاء العرب جعلهم في بوتقة واحدة، وفي وشيجة عقدية واحدة.ولم يتمايزوا قط على أساس الأعراق والأقوام. وان ظهرت يوماً ما نعرة التفاخر بالأنساب فلم يكن ذلك إلا ردة فعل، أو ثمرة مرة لما عرف بالشعوبية المقيتة التي كانت بمثابة جرثومة خبيثة تسللت إلى جسم المجتمع الإسلامي وفعلت فعلها وقد تصدى لها رجال من أهل العلم لإبطال مفعولها.

وإذا تتبع الباحث أسماء القادة والأمراء والقضاة في جميع أنحاء بلاد الإسلام لوجدهم من قبائل بلاد العرب بمختلف أماكنهم فالأزدي والحضرمي والحميري والقيسي والأسدي والخثعمي والكندي والرهاوي والداري والتيمي والتميمي والشيباني، وهكذا جميعهم يشكلون أعضاء الجهاز الإداري والقضائي والعسكري في بلاد الإسلام كلها، وقد انضم إليهم أبناء الأمة الإسلامية بمختلف أقوامهم كالخراساني والرومي والفارسي والمصري والمغربي والموصلي.. الخ وهذا يدل على أن جزيرة العرب لم تكن مصدراً لتصدير الفكر فقط،بل تولي أبناؤها قيادة بلدان الإسلام لقرون عدة، ولا اعني بالقيادة السياسية فحسب بل القيادة الإدارية في عمومها والقيادة بمختلف علومها. وهذا الذي مثلته الدولة الفاطمية بكل وضوح وجلاء .

بدأ اهتمام الفاطميين بالمقدسات في بلاد الحجاز منذ خلافة المعز لدين الله الفاطمي الذي استطاع أن يبسط نفوذه على تلك البلاد، حينما استولى "حسن بن جعفر الحسني" على مكة، ودعا للخليفة المعز على منابرها؛ فقلده المعز الحرم وأعماله، وعمل المعز على تدعيم سلطته على مكة والمدينة، وسعى إلى بسط سيطرته على سائر بلاد الحجاز.

وظلت الخطبة باسم الخليفة المعز في كل من مكة والمدينة حتى توفي سنة (365هـ -975م) وخلفه ابنه العزيز فانقطعت الخطبة له في بلاد الحجاز، فأرسل العزيز "إدريس بن زيدي النهاجي" أميرا على الحج سنة (367هـ -  977م) فاستولى على الحرمين وأقام الخطبة باسم العزيز، إلا أن نفوذ الفاطميين لم يستقر في مكة والمدينة طوال عهد العزيز؛ فقد دعا أمير حُجّاج العراق لـ"عضد الدولة بن بوية" وهو ما اضطر العزيز إلى إرسال حملة إلى الحجاز، وانتهى الأمر بإعادة الخطبة للعزيز على منابرها.

أما في بلاد اليمن التي بدأت الدعوة الفاطمية بها منذ سنة (368هـ -  978م) فقد بلغت تلك الدعوة فيها أوج ازدهارها في ظل خلافة العزيز بالله الفاطمي، حيث تمكن أتباعه من قطع الخطبة للخليفة العباسي في جميع البلاد وإقامتها له، واستمر الحال على ذلك حتى توفي.

كما استطاع العزيز أن يوطد أقدام الفاطميين في الشام مرة أخرى، بعد أن استطاع "أفتكين" التركي الاستيلاء على دمشق سنة (25 من المحرم 368ه - 4 من سبتمبر 978م) فخرج إليه العزيز بالله من القاهرة على رأس حملة كبيرة . وكان القائد جوهر الصقلي على رأس الطليعة في ذلك الجيش، واستطاع الفاطميون إلحاق الهزيمة الساحقة بقوات أفتكين والقرامطة، وتحقق للفاطميين المزيد من الاستقرار في بلاد الشام، بعد أن جلا عنها القرامطة إلى بلادهم.[20]

كانت الحجاز من المناطق التي شهدت حركات علوية عنيفة ضد الدولة العباسية منذ قيامها. ولقد استطاعت هذه الدولة أن تقضي على تلك الحركات في عهود خلفائها الأقوياء. ولكن ضعفها في أواخر القرن الثالث الهجري أغرى زعماء العلويين باستئناف نشاطهم. فانتزع محمد ابن سليمان الحسيني إدارة مكة من الوالي العباسي 301هـ ، و استقل بها .

 ومع أن المصادر لا تعطي تفصيلات عما حدث لمحمد بن سليمان بعد ذلك فإنها تفيد بأن حكم البلدة المقدسة بقى في أيدي الأشراف الحسنيين حتى دخلها القرامطة سنة 317هـ . وقد نجح العباسيون في استعادتها نفوذهم الرسمي على الحجاز بعد سنوات قليلة من هذا التاريخ مسندين ولايتها لإتباعهم الإخشيدي الذين كان مركز حكمهم في مصر . وحينما بدأت علامات الانهيار تدب في أوصال كيان الإخشدين إمام الزحف الفاطمي انتعشت روح الأمل مرة أخرى في نفوس العلويين في الحجاز ، وفرض الزعيم جعفر بن محمد الحسني سيطرته على سير الأحداث في مكة وما حولها . ولما فتحت مصر على أيدي الفاطميين سنة358هـ ، استولى على مقاليد الأمور في البلدة المذكورة ، ودعا في الخطبة للخليفة الفاطمي . وكان ذلك إيذانا بتأسيس حكم الطبقة الأولى من طبقات حكام الأشراف وهي طبقة الموسويين نسبة إلى موسى الجون من نسل الحسن بن علي رضي الله عنه .وكما دعي للخليفة الفاطمي في مكة المكرمة دعي له في المدينة المنورة من قبل العلويين الحسينيين ، الذين سيطروا على الأوضاع هناك وبذلك أصبحت الحجاز تحت النفوذ الفاطمي وان بذل الوزراء العباسيون من بوية محاولات لمد نفوذهم عليها . وقد بلغ الحاكم الثالث من الطبقة الموسوية ، أبو الفتوح الحسن بن جعفر ، درجة من القوة مكنته من انتزاع حكم المدينة المنورة من أبناء عمه الحسينيين ، وأغرته بأن يعلن نفسه خليفة مستقلاَ . على أن خلافته لم تطل .

 ذلك أن شوكة الدولة الفاطمية ونفوذها استطاعت أن ترغمه على التخلي عنها وإعلان تبعيته لحكام مصر . وكما شهد عهد هذا الأمير مد نفوذ الطبقة الموسوية ثم جزره النسبي كانت وفاة ابنه شكر سنة 453هـ بمثابة إعلان نهاية حكم تلك الطبقة . فقد انتزع السليمانيون حكم مكة من عبد شكر بعد فترة قصيرة جداً من استيلائه عليه .ومع إن كثير من المؤرخين يعدون السليمانيين طبقة من طبقات الأشراف التي تداولت حكم مكة الإ إن حكمهم لم يستمر أكثر من سنتين . ذلك أن ميلهم للعباسيين دفع حاكم اليمن المتحالف مع الفاطميين إلى الإطاحة بهم ، وتسليم حكم البلاد إلى طبقة أخرى من الأشراف تسمى الهواشم .ولقد شهد القرن الأول من حكم طبقة الهواشم تنافساً شديدا بين العباسيين وبين الفاطميين لكسب ولاء أمراء مكة وإغرائهم بالدعاء لهم في الخطبة . وظل ولاء بعض هؤلاء الأمراء يتذبذب بين الفريقين المتنافسين حسب الظروف . ولكن النصب إلى ذلك شهدت تلك الفترة صراعاً حادا بين أشراف الطبقة الحاكمة ذاتها على الإمارة.

 

الفاطميون في المدينة

 
كانت المدينة في النصف الأول من القرن الرابع الهجري صغيرة وضعيفة وهدفاً لغزو الأعراب وعندما اشتد أمر دولة الفاطميين في مصر أعلن أمير المدينة، وأمير مكة، الولاء للفاطميين عام 363هـ، وذلك بسبب الروابط المتينة بينهم (التشيع)، ولموقف سابق للفاطميين أصلحوا فيه بين الهاشميين المتنازعين في الحجاز (بنو الحسن والحسين من جهة وبنو جعفر من جهة أخرى) وفرح الخليفة الفاطمي المعز لدين الله بهذا الولاء وأرسل الأموال والهدايا.

وكانت العلاقة بين أمراء المدينة والفاطميين مضطربة، فأحياناً كانت لا تتعدى الولاء الاسمي، ولذا كانت تتحول إلى العباسيين بين الفترة والأخرى، وذلك لعدم اهتمام الفاطميين بحاجات أهل المدينة، وضعف الإدارة، كما أن حكام مكة المتمردين على الدولة الفاطمية ضموا إليهم المدينة مدة تمردهم.

ففي عام 365هـ لم يهتم الخليفة الفاطمي العزيز بالله باحتياجات المدينة فخلع أميرها الولاء وتحول إلى العباسيين، فأرسل العزيز بالله جيشاً هدد المدينة عام 367هـ فأعاد أميرها الولاء للفاطميين ولكنه خلعه بعد سنة واحدة وأعاده للعباسيين الذين أرسلوا أموالاً جزيلة لبناء سور قوي حول المدينة وتحسين أحوال أهلها، ولم يعد الولاء للفاطميين حتى عام 380هـ، عندما وصلت حملة عسكرية فاطمية حاصرت المدينة، فآثر أميرها طاهر بن مسلم (مؤسس حكم آل مهنا) السلامة، فخطب للفاطميين في المسجد النبوي فامتد حكم آل مهنا لها وهم في ولائهم الاسمي للفاطميين، ولم يتأثر أهلها بالدعوة الفاطمية، وعقائدها بسبب تراثهم العريق من السنة النبوية والعلماء الذين كانوا يدرسونه في المسجد النبوي، وغضب الفاطميون لذلك وأوعز الحاكم بأمر الله الفاطمي لأمير مكة أبو الفتوح بالاستيلاء على المدينة وطرد آل المهنا منها واتساع المجال للدعاة الفاطميين كي يؤثروا في أهل المدينة. فاستولى أمير مكة أبو الفتوح عليها وأخرج آل المهنا منها لبعض الوقت ثم أعادهم إليها وجعلها تابعة لإمارته.


أهم الأحداث في العهد الفاطمي

عانت المدينة من الاضطرابات التي ظهرت في الدولة الفاطمية وخاصة في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي، فقد أمر جنوده بنقل جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصر ولكن الله سبحانه وتعالى حماه، إذ هبت ريح شديدة وأظلم الجو وخاف الجنود الفاطميون وتراجعوا عما هموا به. وأمرهم في مرة ثانية بنقل محتويات بيت جعفر الصادق فنقلوها إلى مصر.

وعندما تولى شكر بن أبي الفتوح إمارة مكة عام 436هـ هاجم المدينة وطرد آل المهنا منها وعين بعض الحسينيين عليها وظلوا عليها حتى عام 463هـ حيث أعادهم أمير مكة أيضاً محمد بن جعفر، الذي خلع ولاء الفاطميين وخطب للعباسيين وعين الحسين بن المهنا أميراً على المدينة. كما عانت من القحط و انقطاع الميرة عدة سنواتٍ بسبب غضب الفاطميين، وضعف السلطة في بعض السنوات واستغل ذلك الأعراب وقطاع الطرق وهاجموا المدينة أو القوافل القادمة إليها. وبهذا التاريخ انتهت تبعية المدينة للفاطميين وعادت للخلافة العباسية، ولكن الفاطميين ظلوا حتى نهاية دولتهم سنة 567 هـ يتوددون إلى أمراء المدينة ويرسلون بعض الأموال والهدايا أحياناً أملاً في أن يعود الولاء إليهم. وثمة رواية تقول أن الحافظ بالله حاول أيضاً نقل جسد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مصر وأرسل أربعين رجلاً من الأشداء، بدأوا بحفر نفق عميق، ويروى أن النفق انهار عليهم ودفنهم أو أنهم اكتشفوا وضربت أعناقهم.

لم يترك الفاطميون آثاراً تذكر في المدينة، باستثناء تشيع أعداد قليلة من أهلها أو المقيمين فيها، ولا نجد آثاراً فكرية أو مؤلفات تدعو لهم كما لانجد آثاراً عمرانية أو حضارية تظهر عنايتهم بالمدينة أو بمسجدها النبوي، رغم أن الفاطميين تركوا آثاراً كثيرة في مصر أهمها الجامع الأزهر ومساجد أخرى كثيرة.

ولعل السبب في هذا يعود إلى مدى الفساد الذي لحق بحكام الحرمين الشريفين ورغبتهم العارمة في الاستفادة من التناقض والصراع بين العباسيين والفاطميين حتى يحوزوا المال الوفير والنفوذ لدى الدولتين . وليت الأمر توقف عند ذلك فقد كان الحرمين الشريفين مطمع للكثير ومنهم . وكذلك تعرض بلاد الحجاز في تلك الفترة لمواسم قحط متعددة فهلك الحرث والنسل وتوقف الحج وهرب من بقى من أهل الحجاز إلى مصر . فمثلا لم يحج احد من مصر في 428هـ/1036م، وفى 430هـ/ 1038م، كما تعطل الحج من الأقاليم بأسرها ، فلم يحج احد من الشام ولا العراق ولا خراسان . وفى سنة 431هـ/ 1039م، التي تلتها ، تفرد أهل مصر بالحج ، وربما لقرب مصر وغناها ، وقد بلغ القحط في الحجاز مداه في سنتي 439هـ/ 1047م، و440هـ / 1048م، حتى أنه قرؤء في كل منهما على الناس في مصر المرسوم التالي بمنع الحج :" يقول أمير المؤمنين : إنه ليس من الخير أن يسافر الحجاج للحجاز هذا العام ، فانه به قحطا وضيقا ، وقد هلك به خلق كثيرون ، وانى أقول هذا شفقة بالمسلمين " . وقد بلغ الأمر بأهل الحجاز أنفسهم أم هاجر منهم إلى مصر خمسة وثلاثون ألف آدمي ، فاجري المستنصر عليهم الرزق سنة كاملة ، ولما أمطرت السماء في بلادهم وكثر الطعام كساهم صغيرهم ، وكبيرهم ، وأغدق عليهم الصلات ، ثم رحلهم إلى الحجاز .[21]

غير انه كلما استقرت الأمور في الحرمين للفاطميين سرعان ما يعودوا إلى الاهتمام بتنظيم الحرمين وعمارتهما .فكان المستنصر يرسل الكسوة مرتين كل سنة ،مع أنها كانت ترسل مرة واحدة في السنة ، ويذكر الرحالة الفيلسوف ناصر خسرو – الذي سنستعرض رحلته في الصفحات القادمات – أن الفاطميين كانوا يقومون بدعوة واسعة إلى الحج ، فإذا أهل موسم الحج قرئت في المساجد مراسيمه ، ويكون في منتصف رجب  وفى رمضان [22]

 

وصف رحلة الحج في زمن الدولة الفاطمية

 يصف لنا واحد من الرحالة رحلة الحج المباركة إلى الاراضى الحجازية وحيث الحرمين الشريفين والرحالة هو السيد الشريف العلوي الفيلسوف السني المولد الشيعي المذهب ناصر خسرو ، وقد  ولد ناصر خسرو علوي لأسرة متوسطة الحال في خراسان عام 394هـ=1003م، ونشأ سنيا في بداياته والتحق بخدمة الغزنويين ثم السلاجقة في بلاد فارس، وكان خسرو واسع الإطلاع يقرأ الفلسفة ويناقش آراء الفارابي وابن سينا.ذكر ناصر خسرو.

 أن السبب الحقيقي وراء رحلته هو ما ورد في سورة محمد وهو قول الله تعالى :{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، بالإضافة إلى ما ورد في سورة الفتح:{ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}، فعزم على الرحيل حتى موضع الشجرة التي بايع المسلمون في ظلالها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

 

رحلة في سبعة أعوام

كان خسرو أمينا فيما كتبه فإذا رأى في رحلته شيئا كتب أنه شاهد، أما إذا سمع عن أشياء فيكتب أنه سمعها من الرواة. وقد وقعت أحداث رحلته بين الأعوام 437هـ/444هـ -1045/1052م، وبدأت من مدينة مرو في خراسان، مرورا بأذربيجان وأرمينيا ثم الشام وفلسطين ومصر التي مكث بها 3 سنوات في كنف الخلفاء الفاطميين ثم إلى الحجاز للمرة الأخيرة ونجد وجنوبي العراق ومنها عاد إلى بلاد فارس وخراسان.

لم يتحدث ناصر خسرو صراحة عن تشيعه، ولكنه كان صاحب مركز ممتاز في مصر الفاطمية؛ فقد حج مرتين في صحبة رسول الخليفة الفاطمي مع أن الحج كان ممنوعا آنذاك وعاد في المرة الثانية في صحبة أمير مكة.



إجراءات الحج في مصر المحروسة

 خرج ناصر خسرو في مصر لأداء فريضة الحج للمرة الأولى عام 439هـ -  1074م،  في موكب الحج المصري الرسمي، وذكر لنا الإجراءات المتبعة في مصر الفاطمية قبيل الحج؛ فأشار إلى أنه جرت العادة أن يتم قراءة مرسوم الخليفة بالحج في المساجد في منتصف رجب وفيه "... يا معشر المسلمين هلّ موسم الحج، وسيجهز ركب الخليفة كالمعتاد وسيكون معه الجنود والخيل والجمال والزاد.

وذكر ناصر خسرو أنه يتم إعادة قراءة مرسوم الخليفة مرة أخرى في رمضان التالي بحيث يستعد الحجاج ويبدءون في إجراءات السفر في بداية شهر ذي القعدة.

وكان موكب الحج المصري يصل إلى مكة المكرمة بعد رحلة تستمر خمسة وعشرين يوما بحيث يمكثون بها عشرة أيام للراحة، ثم أداء الشعائر، ثم الاستعداد للرحيل عبر رحلة العودة التي تستمر أيضا خمسة وعشرين يوما.



الحج في موسم الفقر

ونظرا لمرور بلاد الحجاز عام 439هـ- 1047م، بفترة قحط شديد ونقص في الأقوات؛ فقد أصدر الخليفة المستنصر مرسوما ذكر فيه "أنه ليس من الخير أن يسافر الحجاج إلى الحجاز هذا العام فإن به قحطا وضيقا وقد هلك به خلق كثيرون.

ونتيجة لهذا المرسوم فقد تراجع الحجاج المصريون عن أداء فريضة الحج لهذا العام، في الوقت الذي استمر فيه الخليفة في إرسال كسوة الكعبة مرتين في العام المعتاد.

انتهز خسرو - ربما لمكانته المتميز في البلاط الفاطمي - فرصة سفر الكسوة مع وفد السلطان عن طريق بحر القلزم (البحر الأحمر) فسافر معهم وهكذا خرج من القاهرة في أول ذي القعدة ليصل إلى القلزم، ومن هناك رحل على متن إحدى السفن التي عبرت البحر في خمسة عشر يوما حتى وصل إلى ميناء الجار في الحجاز ثم واصل الجميع رحلتهم برا باتجاه المدينة المنورة في رحلة استمرت لأربعة أيام.

وصف خسرو المدينة، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بها، ومقامه بجوار المنبر، كما أشار أيضا إلى الروضة الشريفة ما بين قبر الرسول ومنبره.



خسرو يتسلل للحج مع الكسوة

ثم رحل خسرو عن المدينة المنورة باتجاه مكة المكرمة التي وصلها في السادس من ذي الحجة، فنزل مع ركبه عند باب الصفا، ولاحظ حالة القحط الشديد التي حذر منها المرسوم الفاطمي، كما لاحظ أيضا هجرة المجاورين منها فضلا عن عدم وفود الحجاج على مكة هذا العام.

وهكذا قام خسرو بأداء حجته الأولى بعد الوقوف على جبل عرفات، ولبث في مكة يومين بعد الحج قبل أن تعود قافلته إلى مصر بعد رحلة استمرت خمسة وسبعين يوما ليجد في القاهرة العديد من سكان الحجاز الذين هاجروا إلى مصر نتيجة القحط الشديد الذي ضرب بلادهم، فحسبما ذكر خسرو أنه كان بالقاهرة 35 ألف مهاجر من أهل الحجاز، وقام الخليفة الفاطمي المستنصر بكسوتهم وأجرى عليهم الرزق لمدة سنة كاملة.

وفيما بعد عندما أمطرت السماء في الحجاز وزال القحط قام الخليفة مرة أخرى بكسوتهم والإغداق عليهم، لكنه أمر هذه المرة بترحيلهم إلى الحجاز.



القحط يمنع الحج

وفي العام التالي مباشرة 440هـ - 1048م، قام خسرو بأداء فريضة الحج للمرة الثانية فذكر استمرار القحط في بلاد الحجاز للعام التالي، وهو ما دعا الخليفة المستنصر إلى إصدار مرسوم في شهر رجب يذكر فيه أنه ليس من الخير للحجاج أن يسافروا لأداء الفريضة هذا العام، وأنه لمن الأفضل لهم أن ينفقوا الأموال على أنفسهم، واستمع الحجاج المصريون لأوامر الخليفة ومكثوا في بلادهم.

غير أن الخليفة الفاطمي استمر في إرسال كسوة الكعبة ومنح أمراء مكة والمدينة الأموال والخيول مرتين في العام. وعهد الخليفة بالكسوة والأموال إلى مبعوثه القاضي عبد الله، من قضاة الشام؛ فخرج معه أيضا ناصر خسرو من القاهرة إلى القلزم وهكذا استقل الجمع سفينة لتصل ميناء الجار بالحجاز في الخامس والعشرين من ذي القعدة، ومنه تحركوا برا إلى مكة المكرمة.

وهكذا وصل خسرو إلى مكة المكرمة في الثامن من ذي القعدة 440هـ -  1048م،  ليؤدي فريضة الحج للمرة الثانية، وذكر أنه أثناء عودة الحجاج المغاربة من الحج وبالقرب من المدينة المنورة طلب الأعراب منهم دفع إتاوة، فنشب القتال بينهم وقتل من الحجاج المغاربة حوالي ألفي رجل.



حيل الحجاج

كما ذكر خسرو أنه خلال حجته الثانية رأى جماعة من حجاج خراسان الذين وصلوا إلى المدينة المنورة في السادس من ذي الحجة، وشعروا أنهم سوف يتأخرون عن موعد الحج، فعرضوا على بعض الأعراب دفع أربعين دينارا على كل حاج إذا ما استطاعوا نقلهم بسرعة إلى مكة خلال الأيام الثلاث الباقية للحاق بالحج، وبالفعل نجح الأعراب في مهمتهم تلك عبر شد وثاق الحجاج الخراسانيين في جمال سريعة فوصلوا إلى عرفات في يومين ونصف؛ ونتيجة لذلك مات اثنان من الحجاج على إثر ربطهما بالجمال السريعة، بينما شارف أربعة منهم على الهلاك حين وصولهم إلى عرفات عصرا فكانوا لا يستطيعون الوقوف أو الكلام.
ويحكي ناصر خسرو أنه بعد انتهائه من أداء فريضة الحج للمرة الثانية عاد إلى مصر برفقة أمير مكة الذي كان يدفع له الخليفة مبلغا ماليا لقرابته من الحسين بن علي رضي الله عنه.

العودة إلى خراسان

بعد أن مكث خسرو في مصر عاما آخر قرر الرجوع إلى وطنه خراسان عبر مكة المكرمة حتى يقوم بأداء حجته الأخيرة، وبعد أن حضر عيد الأضحى بالقاهرة عام 441هـ - 1050م ،تحرك ركبه إلى الصعيد ليمر ببلدان أسيوط وقوص وأخميم وأسوان، ليروي لنا الكثير عن هذه المدن إلى أن وصل ركبه إلى ميناء عيذاب على بحر القلزم في ربيع الأول 442هـ ، ووصف المدينة بأن لها مسجدا كبيرا، ومنها تحصل المكوس على السلع والبضائع على متن السفن القادمة من الحبشة وزنجبار واليمن، ومنها تنقل البضائع برا إلى أسوان حيث يتم نقلها في نهر النيل إلى أسواق القاهرة.

وصل خسرو من عيذاب إلى مدينة جدة حيث وصف مساجدها وأسواقها وذكر تبعيتها لإمارة مكة التي وصلها في جمادى الآخرة، وذكر وصول العديد من المعتمرين من بلاد الحجاز واليمن إلى مكة في أول رجب، وذكر أنهم يحضرون إليها 3 مرات في العام للاعتمار وأداء الحج لقرب بلادهم منها.

بعد ذلك وصف ناصر خسرو مدينة مكة المكرمة مساجدها، وأسواقها، وحماماتها ودورها وإمدادات المياه بها، ثم وصف المسجد الحرام بالتفصيل طوله وعرضه، وعدد أعمدته وأبوابه، وذكر أنه يقع وسط مكة كما وصف الحجر الأسود، وباب الكعبة وارتفاعه وما كتب عليه "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة".

كما وصف الكعبة المشرفة من الداخل وكسوتها البيضاء والميزاب ومقام إبراهيم عليه السلام، وكذلك بئر زمزم وسقاية الحجاج.

وذكر امتياز قبيلة بني سيبة بحفظ مفتاح باب الكعبة؛ وهو الأمر الذي ذكره فيما بعد ابن جبير في القرن 6هـ، وابن بطوطة في القرن 14هـ، وذكر أنهم يقومون بفتح باب الكعبة أيام الاثنين والخميس والجمعة من شهور شعبان ورمضان وشوال قبل أن يغلق مع مجيء شهر ذي القعدة.

 

الحجة الأخيرة

قام ناصر خسرو بأداء حجته الأخيرة عام 442هـ - 1051م، ثم نزل مع ركبه من عرفات إلى مزدلفة حيث قضى الحجاج ليلة العيد ثم قاموا بصلاة الفجر، وعند طلوع الشمس توجهوا إلى منى حيث التضحية ورمي الحجارة.

بعدها عاد الحاج خسرو علوي إلى مكة فمكث بها عدة أيام حتى العشرين من ذي الحجة عندما رحل عنها إلى الطائف واليمامة والإحساء ثم العراق حيث رحلة العودة إلى موطنه في بلاد فارس.

من المعلوم أن الفاطميين لم يكن لهم أي اثر معماري في الحرمين الشريفين على العكس مما حدث في مصر والمغرب وفلسطين من بنايات غاية في الروعة والجمال والإبداع الفني والهندسي من مساجد وزوايا واسبلة ومكتبات وغيرها،  وذلك نظرا لكل الأسباب التي أوضحناها في السابق ، بيد أن لمسات الفاطميون الإبداعية وقرائحهم الصافية أضفت على موسم الحج رونق وبهجة وسعادة ظلت ردحا من الزمان معمول بها وحافظت عليها كل الدول التي جاءت بعدها سواء الأيوبية أو المماليك أو العثمانيين ولم تتوقف إلا حين قامت العربية السعودية للتنكر لكل جميلة واستحوذت كل الحقوق سوء لأهل الحجاز أو غيرهم من العرب والمسلمين .

ومن اللمسات التي اشرنا إليها والتي أبدعها الفاطميون محمل الحج والصرة وكسوة الكعبة والمقام الشريف في الداخل والخارج ونفقات أهل الحجاج وعونهم على شظف العيش والبيئة القاحلة وكان المحمل أو خروج المحمل عيداً في مصر واستقباله في الحجاز عيدا أخراً.

 

الاحتفال بكسوة الكعبة

وللمحمل مظاهر احتفالية جميلة، أبرزُها الاحتفال بكسوة الكعبة، وهو الاحتفال الذي كان يسبق سفره إلى الأراضي المقدسة، حيث يُقام حفلٌ رسمي كبير في ميدان "الرميلة" بالقرب من القلعة، ويحرص على مشاهدته جميع سكان القاهرة وزوارها من الأقاليم، وفيه يتسلم أمير الحج الكسوة الجديدة التي تضم السجادة التي تُزيَن بها الكعبة، وكسوة المقام الإبراهيمي، وستارة باب التوبة من مسئول دار الكسوة الموجودة بحي الخرنفش بالجمالية، وذلك بحضور كبار مسئولي الدولة وأمير المحمل. وبعد ذلك يتحرك الجميع في موكب رسمي كبير يتقدمه أمير المحمل وخلفه الجمل الذي يحمل الكسوة، وقد نقشت على قماش الهودج آيات قرآنية ورسوم زخرفية مطرزة بخيوط من الحرير الذهبي، فوق أرضية من الحرير الأخضر والأحمر والأسود، كما يزين رأس الجمل بالعقود والشراشيب الملونة. ثم تتبعه الجمال التي تحمل أموال الصرة الشريفة في صناديق مغطاة بقماش مطرز فاخر، وخلفها يسير قضاة المذاهب الأربعة، وجميع أئمة المساجد ورؤساء الطوائف والحرف ومشايخ الطرق الصوفية بأعلامهم وبيارقهم الملونة، وجماعات الدراويش ويطوف الموكب شوارع القاهرة من ميدان "الرميلة" حيث مكان الاحتفالية، ويتجه إلى "الفسطاط" حتى جامع الحاكم بأمر الله بالقرب من باب النصر، وقد ازدحمت الشوارع بالناس الذين جاؤوا من كل مكان لمشاهدة الموكب، وجلس بعضهم على المصاطب أمام الحوانيت، وتجمهرت النسوة فوق أسطح المنازل على امتداد الطريق وهن يطلقن الزغاريد، وقد عمت الفرحة والبهجة الجميع، وتحول هذا اليوم إلى عيد كبير. ويظل المحمل في جامع الحاكم بأمر الله حتى يوم الرحيل، ثم يبدأ الناس الذين يرغبون في الحج في قيد أسمائهم بديوان الحج.



المحمل.. وظائف شاغرة

وبعد الاحتفال بكسوة الكعبة يبدأ أمير المحمل في تجهيز قافلة الحج والمحمل والتي يشارك بها الحجاج الذين يفِدون إلى مصر من بلدان شمال إفريقيا وتركيا، حيث كان يخصص لهم معسكر خارج القاهرة لحين موعد خروج المحمل. ويضم المحمل كسوة الكعبة الجديدة والصرة الشريفة، وأمتعة أمير الحج وطعام القافلة، وقرب المياه التي كان يخصص لها عادة ما يقرب من نصف عدد جمال القافلة، البالغ عددهم في الأغلب 500 جمل. وكان يخصص للمحمل أموال طائلة، وصلت في عصر الدولة الفاطمية إلى مائة ألف وعشرين ألف دينار، وذلك على حد قول المقريزي في كتابه "كتاب السلوك".

وظل هذا الاهتمام حتى العصر المملوكي، بدليل أن السلطان المملوكي الصالح "عماد الدين بن الناصر محمد بن قلاوون" أمر سنة 747 هجرية -على الرغم من الغلاء الفاحش وقتها وندرة مياه النيل- بتجهيز ركب المحمل بمبلغ وصل إلى 40 ألف دينار.

وامتد هذا الاهتمام بتجهيز المحمل حتى فترة حكم "محمد علي" وأسرته، حيث يشير كتاب "المحمل" -لإبراهيم حلمي- إلى أن الملك "فؤاد" الأول جهز المحمل عام 1344هـ "1926م" بمبلغ 47 ألف و569 جنيهًا، منها 31 ألف جنيه بدل القمح، و7 آلاف جنيه أجور للجمال المصاحبة لركب المحمل المصري وقتها .

وكانت يُخصَصُ جزءٌ من هذه المبالغ الضخمة كرواتب لموظفي المحمل، إذ كان به 42 وظيفة، منها أمير المحمل الذي يقوده للأراضي المقدسة، و"دُوادار أمير الحج" الذي يقدم الدواة لأمير الحج عند توقيع الإمضاءات، ورئيس حرس المحمل المسئول عن حماية القافلة، و"قاضي المحمل" الذي يحكم بين الحجيج في المنازعات التي قد تنشأ بينهم، و"أمين الصرة المشرفة" التي كانت مصر ترسلها لفقراء مكة، و"إمام المحمل" الذي يتولى إمامة الحجيج في الصلاة وشرح مناسك الحج، و"مشرف جمال المحمل" المسئول عن رعاية الجمال، و"البَيْرَقْدارية" وهم حمَلة الأعلام المميزة للمحمل، و"مشرف التموين للمحمل" الذي يتولى شؤون التموين، و"مشرف المطبخ" المسئول عن الذبائح وتفرقة مخصصات الطعام، و"مشرف السقاءين" الذي يقوم بتوزيع المياه على الحجاج، و"الطبيب" لعلاج المرضى، و"البيطار" لعلاج الجمال، و"الخباز" لتوزيع الخبز بعد عمله على القائمين على شؤون المحمل، و"مبشر الحاج" المسئول عن التبليغ قبل عودة المحمل للبلاد عن أحوال الحجاج وما حدث بشأنهم من سرقات أو قطع طريق أو وفاة، ويصل عادةً قبل القافلة بأربعة أيام راكبًا هجينًا سريعًا.

وهكذا يتضح أن نظام المحمل المصري كان نظامًا دقيقًا في تكوينه وتقسيمه فقد كان أشبه بجيش عسكري في وقته وصرامة نظامه، لأنه رمزٌ لعظمة وهيبة السلطان، وسفيرٌ فوق العادة، يمثل مصر في مكة وقت الحج، حيث يجتمع المسلمون من كل مكان.

وفي اليوم السابع والعشرين من شهر شوال يبدأ سفر المحمل بعد تجهيزه واختيار موظفيه. ويُقام لذلك احتفالٌ يحضرُه  أمير الحج والقضاة وكبار رجال الدولة وتدق الطبول والموسيقى ويكون وصول المحمل إلى المعسكر الذي يتجمع فيه الحجاج المصريون مع أقرانهم من بلدان شمال إفريقيا وتركيا خارج القاهرة، هو إيذانٌ ببدء الرحلة المقدسة. وفي البداية كان المحمل يسافر إلى "السويس"، ثم إلى "قلعة النخل" وسط سيناء، ثم "العقبة"، وبعد ذلك يتجه جنوبًا ويسير بحذاء البحر حتى "ينبع" ثم إلى مكة.

وأخذ الحجاج فيما بعد يسلكون طريقًا آخر، فكانوا يسافرون بالمراكب في النيل من "الفسطاط" إلى مدينة "قوص"، ثم يعبرون الصحراء إلى قرية "عيذاب" على ساحل البحر الأحمر، ثم يركبون السفن إلى "جدة".

وكان الحجاج يتعرضون للأهوال في عبور البحر الأحمر، وكانت السفن تغرق بهم أو تجنح إلى سواحل الحجاز؛ فيتعرضون للسلب والنهب من عشائر العُربان. وكانت السلطة في الماضي تخصص الحراسة المسلحة لقوافل الحجاج والتجارة، لصد هجمات عشائر العربان الذين يعيشون على السلب والنهب في الصحراء.



العودة الحميدة

وفي شهر صفر يعود المحمل وقافلة الحجاج، ولا تقل الفرحة والبهجة بعودة المحمل والحجاج سالمين عن يوم السفر من قبل، وتدخل قافلة المحمل والحجاج مدينة القاهرة من باب النصر، وتزدحم الشوارع بالناس الذين يحرصون على الاقتراب من المحمل ولمسِهِ ثلاث مرات، ثم تقبيل أيديهم ومسح وجوههم تبركًا. ويقوم أهل الحجاج العائدين بتزين واجهات المنازل بالرسوم والأعلام الملونة، واستقبال الحجاج بالطبول والمزامير والزغاريد، وإقامة الولائم ابتهاجًا بعودة الحجاج سالمين.

 

الصرة.. بدايتها ونهايتها

لقد بدأت عادة إرسال الصرة إلى الحرمين الشريفين في عهد الدولة الفاطمية ، والوثائق تشير إلى أن الفاطميين والمماليك كانوا يرسلون صرة إلى الحجاز ، وقد درج السلاطين العثمانيون على إرسال الصرة منذ بداية تأسيس الدولة العثمانية، إلا أن أول صرة حصلنا على وثيقتها في الأرشيف العثماني تعود إلى تاريخ 1389م، وهو عهد السلطان "بايزيد الأول"، وتنص الوثيقة قائلة: "لقد صدر الأمر السلطاني بإرسال صرة بمقدار 80 ألف قطعة ذهبية تنفق في مرافق الحرمين، وتوزع على فقرائها وأشرافها وساداتها وعلمائها..."، وقد أرسل السلطان محمد الملقب "محمد شلبي" 14 ألف قطعة ذهبية عام 1413م، وصرة أخرى تحتوي على أكياس لم يحصر عددها عام 1421م.

ويرجع الفضل في هذا كله إلى الدولة الفاطمية التي أرادت أن تسرى وتفرج الكرب عن أهل الحجاز وان تكفيهم مؤنتهم وبهذا فقد سنت هذه الدولة وهؤلاء الحكام سنة حسنة فلهم أجرها واجر من عمل بها لا ينقص منه شيء ( الحديث ) .

 

                                          الخاتمة

 في النهاية أحب أن اكرر دعوة  الدكتور سليمان نور الإسلام الذي كتب يقول : في ضوء الأحداث الجسام التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية وخاصة ما يتعلق فيها بالمقدسات الحجازية وقيام آل سعود بالارتباط بالأمريكيين ومشروعهم التوسعي في المنطقة بعد غزو العراق (2003) وقيامهم بعد قمة الرياض الأخيرة (28 ــ 29/3/2007) بالتطبيع التدريجي مع إسرائيل باسم (المبادرة العربية) وفي ضوء هذه الأحداث لماذا لا يسترد الفاطميون حقوقهم في الحجاز؟ .

وأزيد لماذا لا تطالب الأمة كلها بحقها في الإشراف وحماية مقدساتها الإسلامية في بلاد الحجاز بعدما تبين بالأدلة القطعية خيانة آل سعود ومشايخهم لمقدساتنا والعمل على تقويضها وإزالتها إنها دعوة لكل الشرفاء من امتنا وكل المناضلين من اجل الحق واستعادة الحقوق .

 

                                              والله اعلم



[1]- الدكتور عبد المنعم ماجد،ظهور الخلافة الفاطمية وسقوطها .

[2]- راجع محمود جابر وآخرون ، نحو هوية عربية جديدة دراسات في الدولة الفاطمية ورسالتها ، مركز المقدسات للدراسات والنشر .

[3]- فيصل القاسم ، الجزيرة نت ، موقع الكتروني ، بزيادة وتصرف .

[4]- عبد المنعم ماجد ، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه ،ص 69.

[5]-  القاضي النعمانى المجالس والمسايرات ،ص415.

[6]- الداعي إدريس، عيون الأخبار وفنون الآثار السبع السادس، ص 124. أنظر عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 65، وأبن العبري، تاريخ مختصر الدول، ص316

[7]- الداعي إدريس، عيون الأخبار وفنون الآثار السبع السابع، ص 173. والسجلات المستنصرية سجل 38.

[8]- أنظر عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 79 وص 134، ويحيى الانطاكي، صلة تاريخ اوتيخا، ص243، الترجمة العربية.

[9]- كأشراف جعفر بن فرات على الشئون المالية وأبا طاهر الذهلي قاضياً، وعبد السميع العباسي خطيباً، أنظر محمد طقوش، تاريخ الفاطميين في شمال المغرب ومصر وبلاد الشام، ص198

[10]- للقاضي النعمان، المجالس والمسايرات، ص154، تحقيق محمد اليعلاوي.

[11]- د. محمد جمال الدين سرور، تاريخ الدولة الفاطمية، ص77.

[12]- هانز هالم، الفاطميون وتقاليدهم في التعليم.

[13]- عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 86-87.

[14]- عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 87-88.

[15]- د. علي عبد الواحد وافي،الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام، ص74-75.

[16]-  محمد آل زيد ، صوت الأخدود ، مجلة الكترونية .بتصرف وزيادة .

[17]- ديوان ابن هانىء ،تحقيق الزاهد على .

[18]- اتعاظ الحنفا ،ص 163 ،حسن إبراهيم حسن ،الدولة الفاطمية ، ص 274-275.

ومن الطريف أن نورد نص هذه الخطبة التي تدل في كل كلماتها على أهمية مجيء الفاطميين في إنقاذ المسلمين :" اللهم صل على محمد عبدك ووليك ،ثمرة النبوة ، وسليل العزة الهادية المهدية ، عبد الله معد أبى تميم المعز لدين الله أمير المؤمنين ،كما صليت على آبائه الطاهرين وأسلافه الراشدين .اللهم ارفع درجته ، واعل كلمته ، وأوضح حجته ، واجمع الأمة على طاعته ، والقلوب على موالاته ، واجعل الرشاد في موافقته ، وورثه مشارق الأرض ومغاربها ، واحمده مبادىء الأمور وعواقبها ، فانك تقول وقولك الحق {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }. فقد امتعض لدينك ، ولما انتهك من حرمتك ، ودرس من الجهاد في سبيلك ، وانقطع عن الحج إلى بيتك وزيارة قبر رسولك صلى الله عليه وعلى آله |، فاعد للجهاد عدته ، واخذ لكل خطب أهبته ، فسير الجيوش لنصرتك ، وانفق الأموال في طاعتك ، وبذل المجهود في رضاك ، فارتعد الجاهل ، وقصر المتطاول ، وظهر الحق ، وزعق الباطل ، فانصر اللهم جيوشه التي سيرها ، وسراياه التي ندبها لقتال المشركين ، وجهاد الملحدين ، والذب عن المسلمين ، وعمارة الثغور والحرام ، وإزالة الظلم ، وبسط العدل في الأمم . اللهم اجعل راياته عالية مشهورة ، وعساكره غالبة منصورة ، وأصلح به وعلى يده ، واجعل لنا منك واقية عليه ".

[19]- عبد المنعم ماجد ، ظهور الدولة الفاطمية ، ص110.

[20]- إسلام أون لاين ،موقع الكتروني ، بتصرف .

[21]- عبد المنعم ماجد ، ظهور الدولة الفاطمية ،ص 190.

[22]- ناصر خسرو ، سفر نامه ، ص68.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية