الفصل الرابع من كتب إنه حزب الله
الصمود من قبل حزب الله والانتصار المبهر
.
.

الأممية الوهابية وتخريب الإسلام

                               الأممية الوهابية وتخريب الإسلام

               دور العربية السعودية.. في ضرب الاستقرار والأمن

                                   في شمال أفريقيا

 

                                                                                                          بقلم /محمود جابر

 

المقدمة :

منذ أن بدأت كتابة أبحاثي ودراساتي عن المملكة العربية السعودية ، ومن قبلها مرحلة الدراسة والقراءة في هذا الخصوص ، وأنا أرى وأقرأ العجب العجاب من هذا النظام وهذه الدولة ، فاراها كما كتبت عنها( مملكة الفضائح)  و(دولة عارية) ، وعباد نفط ، وهدام مقدسات، وخدام مستعمريهم ومستعبديهم ، ولم يسلم منهم جوارهم فـ (هم جيران سوء)  ولا بنى جلدتهم من العرب والمسلمين ، كانوا مخلب قط للإنجليز ضربت به الخلافة – الإمبراطورية- العثمانية ، ثم الثورة العربية والشريف حسين ، واستعملت عدو ما متقدما في وجه المد القومي وحركة التحرر العربية لصالح الاستعمار الغربي البريطاني والهيمنة الأميركية، وكانت وما تزال هي نقطة البدء والميلاد لحركات العنف التي ادعت الإسلام والتي وظفت في خدمت الأهداف الاستعمارية منذ جيش الإخوان الأول (في المملكة ) وميليشيا الإخوان المصرية ، فالدولية . هم مبدعي السلفية الجديدة ، فالسلفية العلمية، واخيرا السلفية الجهادية التي ملئت الدنيا قتلا وإرهابا وقتلا للمدنيين السالمين الآمنين لتبرز صورة واحدة ووحيدة للمسلم وهى صورة القاتل العابس بحق الحياة .

 استطاعت منذ اكثر من قرن من الزمان أن تفي بمستلزمات المستعمر وان تقوم بكل الأعمال القذرة والمشينة التي تطلب منها من خلال شركة الإمامين (محمد بن سعود ومحمد ب عبد الوهاب ).1

نجحت في عولمة الوهابية والاستلاء على الإسلام من خلال مجموعة من الشبكات والمنظمات والروابط الأخطبوطية لتصل إلى فريستها أينما وجدت وأينما كان . تمكن من خلال هذه الشبكة من تنفيذ أعمال تخدمها وتخدم مصالحها (التي هي مصالح المستعمر في الحقيقة ) وان تكون رقما صعبا من خلال نشر اتباعها وعملائها من في كل دولة وفى كل قارة من المعمورة . وان اقتضى هذا إشاعة الفوضى والقتال كما في النموذج (المغربي والتونسي ) ، أو أن تلوح بقدرتها على القضاء على الهدوء والاستقرار كما في النموذج (الموريتاني والليبي ) ، أو أن تشل الدولة وتقضى على وجودها كما في النموذج (الجزائري والصومالي ) . في كل حال من الأحوال، أو نموذج من النماذج لا تتوانى في استخدام براجماتيتها وميكافلليتها مغلفة بغطاء كثيف من التعاليم الوهابية ،والتشدق الدائم بالإسلام وتقاليدة الطقوسية لا الأخلاقية .

في هذا البحث (الأممية الوهابية وتخريب الإسلام ...دور العربية السعودية في ضرب الاستقرار والأمن في شمال أفريقيا) ..ثمة مجموعة من الحقائق التحليلية والمعلوماتية والتي محورناها في مجموعة من المحاور هي :

المحور الأول : الأممية الوهابية والاستيلاء علي الإسلام وسنحاول هنا تسليط الضوء على بعض المؤسسات الدينية التي نشأت بدعم وتمويل العائلة المالكة لتحقيق أغراض ذات أبعاد سياسية، وإن ساهمت في ظاهرة برسم صورة الدولة الدينية المفترضة، وقد كانت مساهمة العلماء في هذه المؤسسات جد مؤثرة وفاعلة وتأتي كجزء من التعويض الذي قدّمه الأمراء للعلماء في الحقل السياسي.

 

المحور الثاني : بعض من الأحداث الإرهابية التي تقوم بها السلفية الجهادية (وهابية المنشأة والتمويل ) في كل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وكيف تم استخدام الأراضي الأفغانية في تجنيد و تجهيز وتدريب مجموعات يمكن استخدامها فيما بعد ذلك لضرب الاستقرار في هذه الدول وربطها بالنفوذ السعودي الذي هو واجهه للنفوذ الأمريكي .

المحور الثالث :أشكال السلفية وتطورها وتقسيماتها :

وهنا تجدر الإشارة قبل الحديث عن الجماعة السلفية للدعوة والقتال وعلاقتها بتنظيم القاعدة، تجدُر الإشارة إلى أن التيار السلفي شكّـل دوما وعلى مَـرِّ التاريخ الإسلامي، شكلا من أشكال التصحيح أحيانا، كما في تصرُّف العالِـم العز بن عبد السلام عندما أعان المظفر قطز لتولّـي الإمارة عبر انقلاب سِـلمي، بهدف وقف زحف التتاري، وترجمت هذه الخطوة في معركة عين جالوت.

ومن أشكال السلفية، ما كان رجعية وتخلفا، مثل تصرف سلفِـيِـي الأندلس ضد ابن رُشد، رغم أن عالم وفيلسوف المغرب قد أعيد الاعتبار له في العصر الحاضر، وبشكل لا يصدق. فالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهي مركز مُـهم من مراكز الفهم السلفي في الاعتقاد، تدرس الفِـقه في المذاهب الأٍربعة في كلية الشريعة عبر كتاب ابن رُشد الشهير، "بداية المجتهد ونهاية المقتصد.

وأخيرا، يبدو من أشكال السلفية، ما كان إصلاحا سياسيا ودينيا، يُـشرف عليه علماء ومفكرون، مثل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحملة الأسانيد المتّـصلة لرواية الحديث الشريف في المغرب الأقصى، ولكن ضمن هذا التيار الأخير، هناك تياران سلفيان برزا كشكل من أشكال الاستقطاب الدعوى والحركي والأمني، هما "السلفية العلمية" و"السلفية الجهادية،وهى موضوع حديثا ومستهدفا من البحث .

وفى النهاية نرجوا أن نكون قدمنا شيئا يهم القارئ العربي ويجلى وجه الحقيقة عن اؤلئك الذين استلبو حرم الله الآمن وهدموا مقدساتنا الإسلامية  وعاشوا في ارض فسادا ،ولا يستحي ملوكهم من وصف أنفسهم بخدام الحرمين .

                           نسأل الله السلامة والحمد لله في الأولى والآخرة

 

                                                                                                المؤلف

 

 

 المحور الأول : الأممية الوهابية والاستيلاء علي الإسلام

مثلت اعترافات رجل المخابرات الأمريكية المخضرم (رو برت بير) في كتابه (النوم مع الشيطان) مفاجأة كبيرة ومفزعة، تجعل المراقب يتأمل في حقيقة الوهابية وغاياتها؛ بعد أن عاش - بير - في عمقها وفي بطونها وذكرها في صفحات كثيرة من كتابه وتحدث عن محمد عبد الوهاب، وعن بن تيمية ، وعن بن الباز وفلسفته في فقه الكراهية و الأرض اللاكروي، وعن أسرار الدولة السعودية.

لقد كانت بين اعترافاته شهادات خطيرة، ومن بينها هذه الشهادة ويقول فيها: "إن [بريجنسكي] مستشار الأمن القومي، للرئيس كارتر، قد عقد إنفاقا مع آل سعود، ويتضمن أن كل ما تتبرع به السعودية للمقاومة في أفغانستان، سوف تتبرع الولايات المتحدة بمثله، دولارا مقابل دولارا " وقد تبرع آل سعود 5.5 بليون دولارا، غير إن الأموال ذهبت إلى الإخوان المسلمين والوهابيين، ومن ضمنهم السياف الذي كان رئيسا للاتحاد الإسلامي.

وفي صفحة أخرى قال إن الوهابيين والإخوان قاتلوا الروس نيابية عن أمريكا وعن الوهابية يقول:" إن قليل من الرجال امييون، حيث أن 85% من الرجال في السعودية يجيدوا القراءة والكتابة؛ وكما أن رجال الوهابية هم المسيطرون على الدولة والتعليم الرسمي؛ ويلاحظ في دراساتهم العليا بين كل ثلاثة باحثين، ترى اثنين منهم بحوثهم واختصاصاتهم في العلوم الإسلامية، ونادرا ما تعثر على شهادة دكتوراه في العلوم الأخرى".

الاتحاد السوفييتي كان يعمل علي ثلاثة مستويات متناغمة. الدولة برموزها هي المستوي الرسمي. "الكومينتيرن"، الذي حل محله فيما بعد القسم الدولي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، يعمل بدون أي صلة بالدولة (ظاهريا) ليتحكم في الأحزاب الشيوعية العالمية. أخيرا الـ (كي .  جي .  بي) التي غطت عملياتِها عبر مؤسسات شعبية مثل حركة السلام وحركات للمرأة الخ.
السعودية تستخدم نفس الطريقة. فهي دولة عضو في الأمم المتحدة الخ. ثم تعمل خلال منظمات واجهة مثل "إسلامينتيرن" أو دولية وهابية تحت أمر السعودية الوهابية. وهناك بالطبع العديد من أجهزة المخابرات في كلتا الحالتين، دولة تتحكم فيها طبقة أو جماعة مستبدة، تتبني سياسة توسعية، تستند إلى إيديولوجية عنصرية، ذات طموحات عالمية. ولكن ما لم يستخدمه الاتحاد السوفييتي هو: الدين والتمويل والصلات القبلية.

في الداخل، تقيم الأسرة الحاكمة شبكة علاقات قبلية شخصية وتشتري، أو تؤجر، ولاء البدو بالمال والتزاوج والمقاولات من الباطن، وأيضا إذا لزم بالمضايقة والسجن والقتل. علي المستوي الدولي طريقة العمل هي أيضا قبلية(لاحظ تجربة السودان والصومال وقبلها أفغانستان).
البترول مكّن السعودية من تنفيذ أحلامها. في9/9/1960اجتمعت السعودية والعراق وإيران والكويت وفنزويلا في بغداد لتأسيس منظمة الأوبك، التي كانت من بنات أفكار عبد الله بن حمود الطريقي ، مهندس البترول السعودي الذي تعلم في جامعة تكساس ، وأصبح مدير دائرة البترول والمعادن بالسعودية. بدأت الضغوط على الشركات لتعديل شروط اقتسام عائد البترول. وفي 1972 بدأت السعودية في المشاركة في ملكية أرامكو. بعد حرب 1973 ضاعفت دول الخليج السعر وأمم العراق الشركات الأجنبية. ثم بدأت حرب أعصاب وتهديد سعودي بالمقاطعة وتهديد أمريكي مضاد باتخاذ "الإجراءات اللازمة". بلغ دخل البترول بين 1973 حتى 2002 أكثر من 2 تريليون دولار. يوزع بين الأمراء 10% منه، أي حوالي 7 مليار سنويا.
قصة "عولمة الوهابية" تشبه الدولية الشيوعية بصورة مدهشة. فقد نجح لينين في كسب الجماعات والتيارات والأفراد غير المتجانسين، ليُشكل نجما صاعدا في سماء الفكر الاشتراكي جعل المثقفين الغربيين ينظرون إليه بإعجاب .

في حالة السعودية، كان المال هو العامل التجميعي الذي جعل من الوهابية قوة لا تقارن، في الوقت الذي كان فيه العالم العربي يمر بمحنة تاريخية جعلته يرتد إلى الإسلام كأيديولوجية بديلة جاهزة. وبفضل الثروة البترولية حدث "فدرلة" أو تلاحم تدريجي بين العديد من التيارات التي اختلفت في تعاليمها، ولكن جمعها الرغبة في الرجوع إلى الإسلام "الأصلي النقي": قراءة حرفية للقرآن، مجتمع يوتوبي متجانس، كراهية للغرب والتغريب، رغبة جهادية عارمة.

الشبكة الوهابية الأخطبوطية عابرة القارات:

 رابطة العالم الإسلامي تأسست في 1962 كمظمة غير حكومية لعولمة الوهابية ، لها مكاتب في 120 دولة ، ووزعت ملايين النسخ من الكتب الوهابية رابطة العالم الإسلامي  طرحت الحكومة السعودية فكرة الرابطة في موسم حج عام 1374هـ ـ 1955م في اجتماع ضم الرئيس الباكستاني غلام محمد والرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك سعود واتفق الثلاثة على إنشاء رابطة إسلامية إلا أن عبدالناصر أدرك الغرض السعودي من إنشاء الرابطة فتوقف عن المضي في الاتفاق، وكان السبب يعود، حسب وجهة نظره، إلى كيفية تطبيق فكرة الرابطة، فيما تحركت السعودية وباكستان لاقناع أطراف أخرى للانضمام للرابطة. وبالفعل، إنضمت عدد من الدول العربية والإسلامية منها (إيران وتركيا، والمغرب وتونس ونيجريا والنيجر..)، والتي أفضت إلى إعلان ولادة الرابطة، وأصبح المقر الدائم لها في مكة المكرمة. أصدرت مجلة شهرية باسم الرابطة وجريدة أسبوعية تحت اسم (أخبار العالم الإسلامي)، كما قامت الرابطة بتوزيع كميات كبيرة من المطبوعات الدينية. وتموّل السعودية القسم الأكبر من نشاطات الرابطة، الأمر الذي جعلها خاضعة بصورة شبه كاملة للنفوذ السعودي، وتأثيره على قرارات وخطط ومشاريع الرابطة. ويعضد التحرك السعودي على صعيد العالم الإسلامي نشاطات تبليغية مكثفة تمتد إلى أغلب الأقطار الإسلامية وتلعب المؤسسات الدينية السعودية دوراً كبيراً في توجيه تلك النشاطات.

إن الانشغال الكثيف بالعمل الدعوي ظل يمثل مكوّناً أساسياً في السياسة الدينية الرسمية، كما احتلت حيزاً واسعاً من اهتمامات رجال الأسرة المالكة وقد رصدت للعملية تلك مبالغ طائلة ومجاميع كبيرة من الدعاة الذين انتشروا في أرجاء العالم.

ومن نماذج النشاط الدعوي الدعائي مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الذي يقوم على مساحة تقدر بمائتين وخمسين ألف متر مربع على طريق تبوك في المدينة المنورة، ويبلغ عدد العاملين في هذا المجمع 1600 موظف ما بين عالم متخصص وخبير وفني واداري ومراقب وعامل ودارس. ويضم المجمع إلى جانب قصر طباعة المصحف الشريف، قسماً خاصاً لانتاج الأشرطة المسجلة بكامل تجهيزاته ومباني الورش والصيانة ومباني للسكن ومحطات حيوية علاوة على قسم للترجمة. وتصل طاقة المجمع الإنتاجية إلى تسعة ملايين نسخة من المصحف الشريف في العام الواحد للوردية الواحدة بأحجام ونوعيات مختلفة منها مليونا نسخة سنوياً لترجمة تفسير القرآن بلغات مختلفة ( الهوسا، الصينية، الأردية ، التركية، والإنجليزية وغيرها) وهكذا بالنسبة لاشرطة الكاسيت.

وتقوم الخطوط الجوية السعودية بنقل كميات كبيرة من المصحف الشريف إلى بلدان العالم، فيما يقوم المجمع بتوزيع كميات أخرى من داخل البلاد ولاسيما في موسم الحج حيث يتسلم كل حاج نسخة من المصحف الشريف باسم هدية صاحب الجلالة خادم الحرميين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز .

ورغم ضرورة وأهمية العناية بالمصحف الشريف وطباعته وتوزيعه وإيصاله إلى مسلمي العالم، إلا أن المجمع يندرج في سياق مشروع دعوي دعائي له أهداف بعيدة، من أبرزها صناعة الرمزية الدينية للحكومة السعودية. فقد بدا واضحاً بأن المؤسسات الدينية المحلية وامتداداتها الخارجية كانت مصممة لتعميم الوصفة الدينية السلفية بمكوّناتها المتشددة، وفي الوقت نفسه إبراز السعودية كنموذج للدولة الدينية النقيّة. إن الكميات الكبيرة من النشريات الدينية التي جرى ترويجها في قارات العالم، إلى جانب الكتائب الدعوية التي كانت تتوافد على هذه القارات كانت تمثل إحدى تعبيرات الالتزام الرسمي بالدعوة السلفية المراد تعميمها عالمياً، وإن كانت تستهدف تصدير الفائض المحلي إلى الخارج الذي عجزت أيقونات الدولة عن استيعابه محلياً. لقد أنفقت الدولة السعودية ملايين الدولارات على بناء مساجد ومراكز دينية في شبه القارة الهندية وفي أفريقيا. في الصومال، كمثال، تم إنفاق ما قيمته 60 مليون ريال لبناء مساجد، ووصلت قوافل الدعاة والمبلغين والنشرات الدعوية إلى كافة قارات العالم، تعضدها سلسلة من الجميعات الخيرية والمساعدات المالية، التي تمثل مجتمعة منظومة متكاملة في المشروع الديني السلفي الرسمي.

ففي العاصمة مقديشو، تم بناء مسجد باسم مسجد التضامن الإسلامي، وقد بني بالزخارف الإسلامية، علاوة على بناء 3 مدارس باسم التوحيد الإسلامي مقابل مبنى البرلمان الصومالي، واحدة للنساء واثنتان للذكور، ونقل أحد مسلمي الصومال في الثمانينات أن الحكومة السعودية جندّت أحد عناصرها داخل الصومال للتبشير بالمذهب الوهابي وبدأت أموال النفط تغزو الشعب الصومالي حتى تمكنت الحكومة السعودية من تحويل 60 بالمائة من أبناء الشعب الصومالي إلى المذهب الوهابي، دون أن يتعرفوا على أفكاره أو يقرءوا له . ويضيف قائلاً: لقد استخدمت الحكومة السعودية نفس أساليب المبشرين الأوربيين مع شعب الصومال وشعوب أفريقيا بصورة عامة، حيث كانت تطلب منهم اعتناق الوهابية للحصول على المال، مما أحدث خلخلة داخل المجتمع الصومالي.

إن ثمة مؤسسات دعوية لعبت دوراً مركزياً في نشر الأيديولوجية السلفية المتشددة خلال العقدين الماضيين، وكان لها نفوذ واسع في قطاع الشباب، والذين انخرطوا في مشاريع الدعوة والجهاد. ونسلّط الضوء هنا على أهم هذه المؤسسات.

 - منظمة المؤتمر الإسلامي تأسست في 1969 في الرباط بمبادرة الملك فيصل، بعد أن قام مخبول استرالي بهجوم علي المسجد الأقصى؛ وأصبحت مثل الدولية الشيوعية هدفها تجميع الآراء حول وجهة النظر السعودية. وفي إمعان لفكرة "الضد" على المستوي العالمي ، شكلت المنظمة الأيسسكو على وزن اليونسكو، وأكاديمية للقانون الإسلامي وغيرها منظمة المؤتمر الإسلامي. بدأت فكرة المنظمة برسائل بعث بها الملك فيصل إلى بعض الدول العربية والإسلامية، وطلب من الرئيس الصومالي آدم عبدالله عثمان أن يتولى مهمة الترويج لفكرة المنظمة على المستوى العربي والأفريقي بوجه خاص، ثم ألقى فيصل خطاباً في مكة المكرمة بموسم الحج عام 1384هـ ـ 1964م عرض فيه فكرة المؤتمر واستعرض دور حكومته في رص الصف الإسلامي ومساعي آل سعود الوحدوية. وقام فيصل بصحبة عبدالله (الملك حالياً) وسلطان (ولي العهد حالياً ووزير الدفاع) بزيارات مكثفة إلى بعض الدول العربية والإسلامية شملت الأردن والسودان والمغرب وغينيا ومالي وإيران وتركيا وباكستان لاقناع هذه الدول بفكرة المؤتمر فيما قدم إلى السعودية الرئيس الصومالي ورئيس جمهورية النيجر ونجحت المساعي السعودية في عقد مؤتمر قمة إسلامي في الرباط بالمغرب في 25 أيلول عام 1969م حضره ملوك ورؤساء 25 دولة عربية واسلامية والذي انتهى فيما بعد إلى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي ومقرها الدائم في جدة، وتقوم المنظمة بالإشراف على ثلاثة أجهزة:

1ـ مؤتمر ملوك ورؤساء الدول والحكومات الأعضاء في المؤتمر

2ـ جهاز مؤتمر وزراء الخارجية

3ـ جهاز الأمانة العامة والمؤسسات التابعة لها. ومن أهداف المنظمة دعم التعاون والتضامن بين الدول الإسلامية والتشاور فيما بينها فيما يخص القضايا المصيرية للمسلمين وتضم المنظمة 46 دولة إسلامية. وقد انبثق عن المؤتمر الإسلامي الثالث الذي عقد في مكة المكرمة سنة 1981م مجمع الفقه الإسلامي وبدأ العمل في شهر يناير من سنة 1985م ومقره الدائم في جدة ويتولى المجمع مهمة إصدار الفتاوى في المواضيع الدينية واعداد وتوزيع البحوث الدينية وعقد الندوات.

وقد غلبت على المؤتمر والمجمع الهيمنة السعودية، حيث لعب عنصر التمويل دوراً كبيراً في توجيه مساراتهما وسياساتهما، وتحوّل المؤتمر إلى منصّة ثابتة لإطلاق المبادرات السياسية ذات الطابع الديني، وكذا إطلاق المشاريع الدعوية التي كانت يضطلع بها المؤتمر بتوجيهات من الحكومة السعودية، كما مكّنت الأخيرة عبر هاتين المؤسستين من كسب دعم وتأييد الأعضاء لكافة القرارات والمواقف السعودية الخاصة بإدارة شؤون الحرمين الشريفين بما في ذلك وضعهما تحت تصرف الدولة السعودية بصورة كاملة. لقد أحيل من منظمة المؤتمر الإسلامي إلى جبهة عريضة لمقاومة أشكال التحالف على أساس قومي أو قاري. 2

-  منظمة الشبيبة الإسلامية تأسست في 1972 وهي تقوم بإعداد الكوادر الشبابية الوهابية المتطرفة، ولها 450 منظمة وجمعية للشبان والطلبة في 34 دولة. نشرت في 1993 ، بعد الهجوم الأول على مركز التجارة الذي كان وراءه عمر عبد الرحمن، كتيبا عمليا لتصنيع القنابل، طُبع في السعودية الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

تأسست في شهر ديسمبر عام 1972م بالرياض بعد اجتماع ضمّ ممثلين عن المنظمات الشبابية في الإسلامية في العالم، وقد رعت وزارة المعارف هذا الاجتماع حيث تم دمج المنظمات تلك في منظمة الشباب الإسلامي العالمي ومركزها الرئيسي في الرياض وتعمل تحت إشراف إدارة الحكومة السعودية وهكذا الحال بالنسبة للمؤتمرات السنوية لممثلي منظمات الشبيبة المسلم.

وقد تولى د. مانع الجهني الأمانة العامة للندوة، وهي متخصصة في شئون الشباب، وتضم أكثر من 450 منظمة شبابية وطلابية إسلامية منتشرة في القارات الخمس. وبحسب ما جاء في أدبيات هذه المنظمة، فإن أهدافها:

 دار المال الإسلامي، قامت بإنشاء شبكة من مؤسسات مالية "إسلامية"، وتمول الدعوة (الوهابية).

-
منظمة الغوث الإسلامي الدولية بنت أو أكملت بناء مئات المساجد، واستخدمت 6000 مدرس وداعية وقد اتهمتها المباحث الفيدرالية بتمويل الإرهاب.

وقد تمكّنت الحكومة السعودية عبر هذه الشبكة المؤسسية، من استيعاب جموع غفيرة من الشباب، فيما تم تجنيد عدد كبير منهم في المشروع الدعوي السلفي. وبما أن الدولة السعودية تموّل نشاطات هذه المنظمات من قبيل بناء المساجد والمدارس وتنظيم زيارات الوعاظ إلى الجاليات الإسلامية والطلبة المسلمين وهكذا إقامة المؤتمرات الدينية، فإن لها اليد الطولي في التأثيرات الخطيرة التي تركتها تلك المشاريع على صورة الإسلام في العالم، سيما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. فقد اضطلعت بصورة مباشرة في تنميط النشاطات الدينية التي تقوم بها المنظمة وتهدف السعودية من وراء ذلك إلى التأكيد على الجانب الديني للأسرة المالكة وتكريسه في أذهان الشباب المسلم من خلال المطبوعات الصادرة عن المنظمة والتي تعود لكتاب إسلاميين معر وفيين ينظر إليهم الآن بوصفهم مسؤولين عن إشاعة أفكار متطرفة تشجّع على العنف أمثال أبو الأعلى المودودي صاحب أطروحة الحاكمية كما في بحثه (النظرية السياسية في الإسلام)، وسيد قطب صاحب فكرة الجاهلية كما وردت في كتابه (معالم في الطريق)  وأبو بكر الجزائري وعبد العزيز بن باز وغيرهم، وقد تم عبر الترويج لهذه الأدبيات من تجنيد عدد كبير من الشباب المسلم في الخارج في مشروع الجهاد، والذين انخرطوا في التنظيمات الجهادية بما فيها تنظيم القاعدة.

إن رفع الشعار الإسلامي في مرحلة الصحوة الدينية في العالم العربي مثّل عامل جذب وإغراء لدى قطاعات واسعة من الناس، التي كانت تتطلع لأن يولد نموذج الدولة الدينية في مقابل الدول العلمانية التي تبنت أيديولوجيات متطرفة تحمل قسطاً كبيراً من العداء للمعتقدات الدينية السائدة. وكرد فعل، كان الإنسان المسلم يطمح في أن يرى حاكميه الإسلام متجسدة في واقع الحياة، خاصة وقد عاشت البلاد الإسلامية حقبة مظلمة من الغياب الديني بعد ظهور البدائل الأجنبية في عصر التجزئة للبلاد الإسلامية التي فرضت نفسها على أنظمة الحكم.

وكان لغربة النظام السياسي في عصر التجزئة دوره الخطير في نشأة حالة التناقض بين المجتمع والسلطة إذ أن الأخيرة لم تكن تعبّر عن تطلعات المجتمع المسلم وأهدافه وانما كانت ـ السلطة ـ تعبر عن مصالح فئة ومجموعة من الناس سرقت وسادة الحكم في جنح الليل وارادت أن تزرع في ارض المسلمين بذرة غريبة. وإزاء وضع كهذا انحسر فيه الظل الإسلامي ودخلت البلاد الإسلامية عصر التيه بالمعنى الشامل، فيما بدأت فكرة العودة للجذور الدينية بالانبعاث على نطاق واسع كإحدى تعبيرات الإحساس الشديد بالحاجة للوجود والكيانية والهوية المستقلة.

وحينما طرحت العائلة المالكة الشعار الإسلامي شدّت أنظار المسلمين وأثارت فيهم ذلك الهم المصيري، حتى جنح كثيرون للاعتقاد بان الأطروحة الدينية السلفية الرسمية تمثل ذلك الينبوع الصافي الذي كان يبحث عنه قطاع كبير من المسلمين، للخلاص من ربقة الأسر والاستقطاب الأيديولوجي الأجنبي والفكاك من أسر الاستبداد الداخلي. وكان توق هذا القطاع الواسع من المسلمين إلى الأطروحة الإسلامية دفع به لحث الخطى نحو (التدين السعودي) لفترة طويلة. في المقابل، أفادت الحكومة السعودية من إنشداد الأنظار إليها، وسعت إلى تمرير نموذجها الديني بهدوء، فرغم تزمت التدين السعودي وتطرفه قبالة الاطروحات الدينية الأخرى، فقد قرر عدم الاصطدام بالمؤسسات الدينية في الخارج بل تعامل بذكاء مخطط في سبيل استقطاب علماء ورجال دين تلك المؤسسات، ساعد في ذلك الصراع بين أنظمة الحكم في كثير من البلدان العربية والتيارات الدينية ولاسيما الأنظمة الاشتراكية في الوطن العربي. فقد أدى احتدام الصراع بين النظام المصري إبان عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر وجماعة الإخوان المسلمين والضربة التي تعرضت لها هذه الجماعة عام 1954م إثر حادثة المنشية وقرار عبدالناصر بحل الإخوان واعتقال عدد كبير من قياداتهم وعناصرهم الفاعلة إلى أن فتحت السعودية أبوابها لاستقبال الفارّين من نظام عبد الناصر، والانخراط في النشاط الدعوي داخل السعودية ومنطقة الخليج بصورة عامة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن تأثير التدين السعودي السلفي على المؤسسات الدينية في الخارج بقي محصوراً في بعده السياسي فحسب، فيما أخفق إخفاقاً ذريعاً في البعد الفكري. فمثلاً لم يقاوم آل سعود عقل الأزهر بمصر فضلاً عن تحويله إلى عقل يفكر وفق المنهجية السلفية الوهابية، وان نجح في مرات نادرة في استمالة عدد ضئيل من علماء الأزهر لجهة دعم مواقف سياسية معينة. إن فشل مشروع التدين السلفي السعودي في بعده الديني لم يثنه عن الانغماس في اللعبة السياسية والمشاغلات الأيديولوجية الجانبية، والتي ساهمت في استدراج المدارس الدينية عموماً إلى حلبة المساجلات الفكرية ذات الطابع الفقهي. ففي عقد الثمانينات بدأت المدرسة السلفية تطرح وعلى نطاق واسع أسئلة حول البنى العقدية للمذاهب الإسلامية عبر إثارة زوابع حول الممارسات الطقوسية للمسلمين مثل (إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف؟) وكانت مماحكاتهم أن الإسلام لا يبيح لنا الاحتفال بهذه الأيام؟. و(دعاء الميتين من الأولياء إذا لم يكن كفراً فهو جنون) و(الدعاء والذبح والنذر لغير الله هو الشرك الأكبر) و(الأصنام ليسوا إلا أسماء رجال صالحين) و(المشركون الأولون كانوا أكثر إيماناً من مشركي هذا الزمن) و (قضية دعاء الأولياء والتوسل بهم) و(كيف يتمثل الشيطان للقبوريين في صور أوليائهم) و (بدعة الزيارة الرجبية) أي زيارة المدينة المنورة في شهر رجب. وقد كان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مورد سجال عنيف، دخل فيه علماء المدرسة السلفية بعنفوان غير معهود، واحتسبوه معياراً للإيمان والشرك، إلى درجة أن بعض علماء هذه المدرسة أصدروا أحكام بالتكفير والتبديع على الراحل السيد محمد علوي المالكي وعدد من علماء الحجاز وغيرهم كونهم من المحتفلين بهذه المناسبة الدينية الجليلة، والتي تمثل بداية ولادة نور المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 أنفقت السعودية منذ 1973، طبقا لوزارة الإعلام، 5،5 % من الدخل القومي على "المعونة الدولية" التي شرطها الأساسي هو مساندة السعودية وسياساتها في المحافل الدولية، وهدفها نشر رسالة الإسلام (الوهابي) في العالم ، كل السفارات السعودية بها ملحق للشئون الإسلامية، بإجمالي 800 من "الدعاة" المتمتعين بالحصانة الدبلوماسية.
مَوّلت جزئيا أو كليا مشروعات إنشاء 210 مركزا إسلاميا و 1500 مسجدا و 200 كلية إسلامية و 2000 مدرسة في العالم، طبقا لما نشرته جريدة "عين اليقين" في 31 يناير 2003. مولت السعودية بالكامل إنشاء مراكز ثقافية إسلامية، إثباتا لكرمها "الثقافي"، في روما )تكلف 50 مليون دولار دفعها الملك فهد شخصيا، وشُيد على بعد خطوات من الفاتيكان، بينما تحظر السعودية مجرد الصلوات لغير الإسلام على أراضيها) وبرازيليا وتورونتو ونيويورك وجبل طارق وجنيف ومدريد ولندن وضواحي باريس ولشبونة وفيينا ومدن استراليا الخ. المراكز الثقافية الإسلامية تديرها عناصر دعوة وهابيين.
لا ننسى "الأكاديميات" الإسلامو- وهابية في واشنطن وبها 1200 طالب ، ولندن وبها 1000 طالب، وموسكو ( افتتحت في 1995 ) وبها 500 طالب وفي البوسنة حيث تسعى الوهابية إلى السيطرة التامة على الإسلام.

منظمة الحرمين هي من أهم الواجهات للسعودية وتعمل في 90 دولة وكانت، طبقا لاعترافات عمر الفاروق منسق القاعدة في جنوب شرق آسيا، قناة تمويل القاعدة في إندونيسيا. وفي مكاتبها بالبوسنة عثر على صور مركز التجارة قبل وبعد عملية 1993 وكذلك صور السفارات الأمريكية في كينيا وتانزانيا بعد تدميرها والفرقاطة كول، وكذلك صور لعديد من المباني الحكومية الأمريكية في واشنطن.
قامت مؤسسة الحرمين في عام 2000 وحده، كما تقول جريدة عين اليقين، بافتتاح 1100 مسجد ومدرسة ومركز إسلامي، وطبعت 13 مليون كتاب إسلامي واستخدمت 3000 داعية.
هناك أيضا كراسي جامعية تمولها السعودية بسخاء في الغرب، حيث تبث الدعاية الخفية لصالح الإسلام والمسلمين والوهابية. مثل كرسي "الملك عبد العزيز" في جامعة كاليفورنيا وكرسى "الملك فهد" في كل من جامعة هارفارد وكلية الدراسات الشرقية بلندن. كما تأسست معاهد جامعية في اليابان وإندونيسيا، وتمول معهد العالم العربي في باريس والجامعة الأمريكية في كولورادو وجامعة هوارد للسود في واشنطن ومعهد دراسات التاريخ العربي والإسلامي في فرانكفورت ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن وجامعة سيراكيوز في ولاية نيويورك وجامعة شو في كالورينا الشمالية التي تحصل فيها جامعة ديوك الشهيرة منذ 1977 على منح سخية جعلتها تصبح ما يشبه الفرع الإعلامي للسفارة السعودية. جامعة جورج تاون في واشنطن تأسس فيها مركز للدراسات العربية المعاصرة ... بشروط خاصة. جامعة أكسفورد حصلت علي 30 مليون دولار هدية لصالح مركز الدراسات الإسلامية، وبهذا أصبح من العسير انتقاد "بعض الدول وبعض الأفكار" فيما كان يطلق عليها "أعظم جامعة في العالم". والأمر لا يختلف كثيرا في هارفارد وبيركلي، حيث أصبح الفكر النقدي عسير الوجود.

يقول المحلل ألكسي ألكسيف أن الجمعيات الخيرية السعودية "الأهلية" ليست أكثر أهلية من حركات السلام السوفييتية، تعمل كأدوات لتنفيذ سياسة الدولة . وعلى أي حال فقد حظر قانون صادر في 1993 جمع الأموال لأغراض خيرية بدون موافقة وزارة الداخلية.
تقرير " تمويل الإرهاب " الذي أعدته للأمم المتحدة في ديسمبر 2002 لجنةٌ رأسها المحققُ الفرنسي جان شارل بريسان يؤكد أن السعودية قد حولت خلال عقد واحد نصف مليار دولار لتنظيم القاعدة3.
غالبية الجمعيات الإسلامية الخمسين التي حُظرت أنشطتها منذ 11 سبتمبر كانت تدار أو تمول بالسعودية . مسئول مخابراتي أمريكي رفيع يقول أن كل الخيوط تتجمع مباشرة عند الرئيس السابق للإستخبارات ومجموعة أخرى من أقوى الأمراء.
عمر البيومي ، عميل مخابرات سعودي يعيش في سان دييجو كاليفورنيا ، استقبل اثنين من إرهابيي 11 سبتمبر وساعدهم على الاستقرار . وكان دائم الاتصال بموظف في مكتب الشئون الإسلامية بالسفارة.
 دوامة المصالح السعودية الغربية:

 استقطاب المثقفين والتأثير على المؤسسات الجامعية، أو ببساطة خلق شبكات من مكسوري الأعين أو الأصدقاء، أخذ شكلا مؤسسيا مع تشكيل مؤسسة الملك فيصل، التي تعطي جوائز سنوية.
حتى منتصف السبعينيات كان هناك نوعان من الصحافة العربية: الداخلية ( التي تخضع للحكومات ) ، والعربية الصادرة في بيروت التي تعكس كافة التوجهات. كل الصحف العربية العامة أصبحت مملوكة لسعوديين، وإن لم يحتكروا الإعلام إلا أنهم يسيطرون عليه بصورة رئيسية تضمن وصول الصوت السعودي بوضوح. "الحياة"، أول الصحف العربية العامة، التي كان يملكها شيعي غني مثقف وليبرالي، اختفت بعد اغتياله. ثم ظهرت من جديد في لندن على يد ابنه، مشاركة مع الأمير خالد بن سلطان كجريدة حديثة لها شبكة مراسلين كبيرة. بعد حين اشتراها الأمير بالكامل.
تأسست " الشرق الأوسط " منذ 25 سنة كصحيفة عربية عامة مملوكة للأمير سلمان بن عبد العزيز وهي بالطبع منحازة للسعودية ، لكنها مكتوبة لتخاطب القارئ العربي الدولي ، ولذا فهي تخضع للرقابة داخل السعودية كأي صحيفة أجنبية.4

المال السعودي والفساد العام:

حيثما ننظر عبر العالم الإسلامي نجد الآثار المدمرة للمال السعودي والأيديولوجية الوهابية.
مصر : عبر العقود الأربع الأخيرة سعت السعودية بإصرار إلى التحكم في توجهات الأزهر ، الذي كان ذات يوم الغريم التاريخي للفكر الوهابي ، كرمز للتفكير المديني في مقابل عرب الصحراء . فهي تدعو شيوخه لزيارات " دراسية " حيث يُمنحون في 6 شهور مرتب 20 سنة . وبعد حين تحول هذا إلى مرتبات شهرية لمن لا يستطيعون السفر . وهناك تمويل لكراسي وأقسام بأكملها . الشيخ محمد جلال كشك الذي نال جائزة فيصل ( 200 ألف دولار ) في 1981، ثم جائزة الملك فهد نشر كتابا ممالئا للوهابية بعنوان " السعوديون والحل الإسلامي ".

الشيخ الشعراوي هو الآخر كان تحت التـأثير الكامل للسعودية نجح في تحويل الرأي العالم المصري من اعتدال متحرر إلى قهر متعصب ، ظلامي وقروسطوي .

 في عام2000م، منحت جامعة الأزهر جائزة الملك فيصل (في جهد متجدد لتحذير التأثير الوهابي على الجامعة العريقة!) .
هكذا حل الدمار بمصر بفعل العمل المزدوج لجماعة الإخوان والوهابية السعودية.
الجزائر : كادر التعريب والأسلمة كان غالبا من المشايخ المصريين الإخوانيين، بالمساندة المالية السعودية. عباس مدني رئيس جبهة الإنقاذ كان "رجل السعوديين" الذي يقال أنه كان يصله مليون دولار شهريا، بينما كان هؤلاء يساندون أيضا جبهة التحري المناوئة. الأفغان الجزائريين من أتباع جماعة التبليغ السعودية كانوا نواة "الجماعة الإسلامية". في 1994 تم اكتشاف عمليات تهريب أسلحة لها بتمويل بنك التقوى السعودي.
 باكستان : تمت أسلمتها منذالسبعينيات بفضل المساندة والتمويل والفكر السعودي . في 1978 أعلن ضياء الحق ، المخابرات الباكستانية هي مركز القوة ، وهي تحمي الطالبان لحساب السعودية .طموح السعودية هو استخدام باكستان كدولة مرتزقة لتكوين جيوش الجهاد ، وقد مولت القنبلة الإسلامية بالكامل.
أفغانستان : جندت السعودية كل مواردها لمساندة الجهاد الأفغاني، بتوجيهات من رئيس المخابرات الأمير (..) ، ولجنة المساندة تحت رئاسة عمه (..) ، وأجهزة رابطة العالم الإسلامي. وقام حزب الجماعة الإسلامية الذي أسسه المودودي بدور الموزع للمعونات المالية، التي كانت تحبذ في البداية الدموي حكمتيار.
لعب رئيسُ المخابرات دورا محوريا، هو وصنيعتُه بن لادن. في 1995 أثناء واحدة من رحلاته العديدة لكابول اتُخذ قرارٌ حاسمٌ بتأكيد "العلاقة الخاصة" بين إخوة الفكر الوهابيين والباشتون الطالبان، وتم سحب كل تأييد للجماعات الأخرى. النظام الطالباني (الذي كانت السعودية آخر من قطع العلاقات معه قبل سقوطه) يؤكد الطبيعة التدميرية العدمية للوهابية السعودية. فالطالبان هم سعوديون بدون بترول .

الواقع، أن صورة الجماعة السلفية للدعوة والقتال، تمثل في أبسط حالاتها دوّامة مَـصالح الأمن العربية والغربية تُـجاه تنظيم الإخوان المسلمين، كتنظيم حركي يُـريد الانقلاب على الأنظمة العربية العِـلمانية في المدى المتوسط أو البعيد.

ولو أن الإخوان المسلمين اليوم لا يمثلون هذا الاتجاه، إلا أن مواجهاتهم العنيفة مع الأنظمة العربية، مثل مصر (في الخمسينات) وسوريا (في موفى السبعينات)، أدّت بشباب يُوصف بـ "الحركي" إلى المُـضي في العمل التنظيمي يمينا، بل وإلى أقصى اليمين إن صحّ التعبير.
ويبدو من أشكال الدّعم الذي، قُـدم للمجموعات الأفغانية المسلّـحة في حربها ضد السوفيات في ثمانينات القرن الماضي، أن التشكُّـل السلفي المسلح قد بدأ هناك، لأن الإخوان المسلمين كانوا متواجدين هناك عبر التنظيم الدولي واختلطوا بحركيين سعوديين وكويتيين ومغاربة، غير إخوانيين، ترسّـخت لديهم القناعة مع مرور الوقت أن الإخوان لديهم شيء ناقص أو أن عندهم شيء زائد، ولا يُـفيد في عودة التوازن، إلا "الاعتماد على الأفكار الذاتية التي لدينا، إنها سلفيتنا".
ما كان زائدا أو ناقصا لدى الإخوان المسلمين، مع أنهم قاتلوا في أفغانستان، هي تلك السهولة في حلق اللّـحى والتفاوض مع الحكومات والمشاركة في الانتخابات وما يتبعه من مفاوضات وتنازلات، وبرز ضمن هذا التوجه حقيقة أن التحضر ونقيضه، لا يمثلان سببا في الالتزام بالسلفية كشكل جديد من أشكال التعامل الدعوي والأمني مع الظاهرة الإسلامية الحركية.
بالنسبة للجماعة الإسلامية للدعوة والقتال، يعتبر الانتماء إلى انقسام الثمانينيات في أفغانستان طبيعيا وحيويا، لأنه يساعد على التموقع في المقام الأول ويساعد في الأخذ والاتصال بشبكة معقَّـدة من العلماء والدعاة في كامل العالم الإسلامي، بل وحتى في بلاد المهجر، وبخاصة في أوروبا والولايات المتحدة.

 المخابرات والمؤسسات حلقات متصلة:

 

قد يبدو للوهلة الأولى أن سلفية الجماعة الإسلامية للدعوة والقتال، ومن قبلها تنظيم القاعدة، كارهة لتجارب الآخرين، الحقيقة أنه لا يبدو عليها ذلك، بل ما يظهر عليها أنها تريد الاستفادة من تجارب الإخوان إلى أقصى حد، ويبدو أن الجماعة الإسلامية المصرية تُـمثل حلقة الوصل بين الإخوان وتنظيم القاعدة كتفكير، ولو أن هذا الجِـسر قد انكسر الآن وأضحى الوصل بين الطرفين مُـختلفا بعض الشيء.

ولأن التفكير السلفي بسيط، فإن للبساطة إيجابياتها وسلبياتها، وتتسلسل المُـعطيات على الشكل التالي: أولها، أن تنظيم القاعدة يقوده جامعيون وأصحاب إمكانيات مادية مُـعتبرة، يُـقابل هذا المَـعطى كنقطة ثانية، أن الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، يقودها رجال أقل شأنا من الناحية التعليمية وأقلهم مالا ويحتاجون إلى المساعدة من جِـهات خارجية.
والمعطى الثالث، في بساطة الجماعة السلفية الجزائرية، أن اختراقها الأمني أمر وارد، وقد ثبت هذا في خروقات كثيرة حقّـقها الأمن الجزائري، ومع هذا لم يتفكك التنظيم، لأنه يعتمد أسلوب عناقيد العِـنب، التي يصعب أكلها لمرة واحدة، بسبب تعدُّد غرفها أو أكياسها.
ومع نقص المعلومات بشأن شكل ما عُرف مؤخرا بـ "شباب التوحيد والجهاد" في تونس، والذي نسبت إليه مواجهات عنيفة مع قوات الأمن التونسية مؤخرا (من 23 ديسمبر 2006 إلى 4 يناير 2007)، إلا أن التجارب أظهرت أن حظ الجماعات التونسية أوفر من حيث المستوى الثقافي والعلمي من مثيلاتها الجزائرية، ومع أن تشابه المَـنهج مع الجماعة السلفية الجزائرية واضح في أول بيان مزعوم للتنظيم التونسي المسلح، إلا أن الاختلافات الثقافية قد تظهر مستقبلا على شكل الاختلاف في الفتاوى أو الرغبة في مفاوضة الحكومات.5



في نفس الوقت، تتشابه الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية في مستواها الفكري مع نظيرتها المغربية، كما أن كِـلا الجماعتين تخُـوضان حربا شرسَـة خارج العمل المسلح مع تنظيم سلفي آخر، وهو ما يُـعرف بالسلفية العلمية.

 

 المحور الثاني :السلفية الجهادية (الوهابية )تضرب الأمن والاستقرار في الشمال الأفريقي :

1- تونس تضيء الألوان البرتقالية:  ذكرت العديد من الصحف العربية والأجنبية يوم الجمعة 5- 1-2007 ، إنّ المجموعة المسلحة التي اشتبكت معها قوات الأمن في تونس الأربعاء "تنتمي إلى جماعة السلفية الجهادية" ، وذكرت أنّ قائدها "رجل أمن سابق تدرّب في أفغانستان".

و قالت صحيفة "ليبيراسيون" اليومية الفرنسية ، إنّ "مصادرها أفادتها أنّ المجموعة التي دخلت معها قوات الأمن في اشتباكات مسلّحة الأربعاء 3 يناير في مدينة سليمان (30 كلم جنوب العاصمة تونس) هي خلية من خلايا ما يُعرف بجماعة السلفية الجهادية".

و تابعت أنّ "قائد المجموعة يُدعى "صابر ساسي" قُتل في العملية و كان سابقا رجل أمن في تونس قبل سفره إلى أفغانستان منذ سنوات و تدّربه هناك إثر انضمامه إلى السلفيين الجهاديين ثمّ عودته ،كما قُتل في العملية عضده الأيمن و يُلقّب ب"الباشا" فيما أُعتقل آخرون" ، حسب قول الصحيفة.

و كانت وزارة الداخلية التونسية أعلنت الخميس أن قوات الأمن قتلت يوم الأربعاء ( 3 يناير2007) ، 12 عنصرا مسلحا و قبضت على 15 آخرين ، بعد اشتباكات بدأت منذ ليل السبت 23 ديسمبر 2006 في الضواحي الجنوبية للعاصمة تونس.

لكنّ البيان المُقتضب للوزارة لم يُوضّح إن كان المسلحين "مجموعة سلفية" أم لا ، بقوله :"إنّ عملية مطاردة عناصر المجموعة الإجرامية التي انطلقت على اثر تبادل إطلاق النار ليلة 23 ديسمبر الماضي ،انتهت بعد ظهر يوم الأربعاء وتمكنت على إثرها قوات الأمن الوطني من قتل 12 فردا وإيقاف العناصر ال 15 المتبقين من هذه المجموعة الإجرامية".

و قد بدأت الاشتباكات بين قوات الأمن في تونس و المجموعة المسلّحة مساء 23 ديسمبر 2006، حسب بلاغ رسمي سابق أذاعته السلطات التونسية بنفس التاريخ ،ذكرت فيه أن الاشتباكات في ذلك اليوم "أسفرت عن قتل أثنين من المسلّحين بمدينة حمام الأنف (20 كلم جنوب العاصمة) و جرح آخريْن ".6

و لم يُحدّد البلاغ وقتها طبيعة المُسلّحين ، لكنّ سرعان ما أكّدت أغلب وسائل الإعلام نقلا عن مصادر حكومية ، أنّ "أفراد هذه العصابة مرتبطون بشبكات دولية لتهريب المخدرات والسلاح"، وأنهم "دخلوا البلاد التونسية قادمين من إحدى الدول وأنهم يريدون ترويج كميات هامة جدا من المواد المخدرة" ، و هي الرواية التي لم تلقى تصديقا وافرا في الرأي العام المحلي رغم صدورها عن المصادر الرسمية.

و قد شدّدت تونس منذ الأسبوع الأخير من العام المنقضي من إجراءاتها الأمنية ، بإطلاق قوات الأمن بمعيّة قوات الحرس (الدرك) والجيش لحملات تمشيط واسعة على كامل البلاد ، كان أشدّها حسب شهود عيان تحدّثوا لنا ما يتواصل من تمشيط مكثّف لرجال الأمن و الجيش معا إلى غاية الآن بالأحياء الجنوبية للعاصمة و الجبال و الغابات المُتاخمة لها ، أي من مدينة حمام الأنف إلى مدينة الحمّامات التابعة لمحافظة نابل (60 كلم جنوب العاصمة). 7

و تابع الشهود أنّ "طرقات البلاد من الشمال إلى الجنوب تشهد منذ 23 ديسمبر حواجز أمنية كثيفة تُخْضِع عربات النقل لاسيما عربات النقل العام و الشاحنات الكبيرة إلى التفتيش الدقيق" ، متابعين أنّ "عديد أعوان الأمن بالحواجز يتسلّحون بالأسلحة الرشاشة" ، و هو أمر نادر لم تشهده تونس منذ أكثر من 15 عاما تاريخ الحملات الأمنية المكثّفة وقتها للقبض على الفارّين من نشطاء حركة "النهضة" الإسلامية و محاكمتهم سنتي 1990 و1991.

وقد أشار العديد من المراقبين أن المنفذين ينتمون  إلى "شبكة إرهابية " و "سلفيين جهاديين" . . قال برهان بسيّس المسؤول الإعلامي بوكالة الاتصال الخارجي الرسمية في تصريح لوكالة الأنباء السويسرية نُشر صباح اليوم السبت 6 يناير 2007 إنّ المجموعة المُسلّحة المشتبكة مع قوات الأمن "لها ارتباط بشبكة إرهابية عابرة للحدود" ، مُشيرا إلى "وجود عناصر أساسية وثيقة الصلة بمراكز بالخارج" ، حسب قوله.

و كشف بسيّس أنّ من بينهم "عددا من الشبان التونسيين الذين تمّ استقطابهم بحجّة الجهاد" ، متابعا أنّ " قوة النار المستعملة في الاشتباكات أكّـدت أن من بين أفراد المجموعة مَـن له تجربة ميدانية سابقة، قد تكون ساحات خارجية قد صهرتها(المجموعة المسلّحة)، بينما كان أداء آخرين أقرب على الهواية مما يؤكّـد حداثة انضمامهم لهذا الصنف من الجماعات"، حسب قوله.

و نقلت صحيفة "الخبر" الجزائرية تصريح مصدر أمني أن"دورية عسكرية جزائرية اعتقلت يوم 19 ديسمبر الماضي تونسيين ينتميان إلى شبكة إرهاب دولية في قرية الجبابرة، وبلدية مفتاح بولاية البليدة، وكانا على أهبة الالتحاق بالجماعة السلفية’’، حسب وصف المصدر.

فيما ردّدت صحف جزائرية مؤخّرا أنّ "كتائب الجماعة السلفية النشطة في شمال الجزائر والصحراء تضمّ مُسلّحين ينحدرون من عشر جنسيات، أغلبهم من تونس وموريتانيا وليبيا والمغرب ومالي والنيجر.8

 

 2006 بداية المنعرج

 

ويبدو أن أوساط القاعدة تعتقد بأن تونس تشكِّـل الحلقة الضعيفة في المغرب العربي، نظرا لعدم امتلاكها خِـبرة في مجال مكافحة الإرهاب، لكن بعد حوادث الضاحية الجنوبية من العاصمة التونسية، فإن تنظيم القاعدة قد يُـضطر إلى تغيير أسلوبه وخُـططه دون التراجع عن استهداف المصالح التونسية، خاصة في ضوء ما يُـقال عن إدخال كميات كبيرة من الأسلحة إلى البلاد بوسائل لا تزال محل تساؤل واستغراب الجميع، إضافة إلى تردد أخبار أخرى غير مؤكّـدة تحدثت عن العثور على أسلحة فُـقدت من إحدى الثكنات.

ومع أنه من الخطأ، الخلط بين موجّـة التديّـن التي تشهدها البلاد، وبين جنوح البعض من الشبان نحو الخطاب السلفي الجهادي إلا أنه - وفي انتظار أن تفصح الجهات الأمنية عما تملكه من معطيات وبالرجوع إلى عدد من المعطيات المتفرقة - يبدو أن السَّـنة المنقضية قد شهِـدت بداية المُـنعرج نحو تشكيل عدد من الخلايا في تونس، حيث تعدّدت عمليات تسلّـل بعض الشبان في اتّجاه الجزائر.

ويبدو أن العديد منهم قد نجح في ربط صلات قوية بالتنظيمين السلفيين الناشطين في هذا المجال، وهما الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، والجماعة السلفية المقاتلة الليبية. ومن العناصر التي يبدو أنها لعبت دورا محوريا في هذه العملية شخص يدعى "لسعد ساسي" وهو من سكان ضاحية حلق الوادي القريبة من العاصمة وقد كان يعمل سابقا في سلك الحرس الوطني ثم بعد استقالته (قبل عدة أعوام) عُـرف بتردده على الجزائر. كما تفيد بعض المصادر بأنه قد سبق له أن ذهب إلى أفغانستان وربما قد يكون زار الشيشان أيضا. وتفيد نفس المصادر بأنه قد قتل في العملية رغم المحاولات التي تمت لإنقاذه من طرف الأطباء وذلك بإجراء عمليتين جراحيتين عليه ولكن دون جدوى.

ولا يُـستبعد أنه بعد دخول الجماعة الليبية في مراجعات على إثر الحِـوار الدائر بينها وبين نجل العقيد القذافي سيف الإسلام، واحتمال تخلّـيها نهائيا عن الإرهاب، اتّـجه رهان العناصر التونسية على توثيق الصلة بالجزائريين، ولهذا السبب، تعدّدت حالات اعتقال تونسيين من قِـبل حُـراس الحدود الجزائريين، خاصة خلال السنة الماضية، من بينهم ثلاثة اشتُـبه في قيامهم بتهريب أسلحة إلى داخل تونس.

وتفيد بعض المؤشرات إلى أن تركيز الخلية التونسية قد قطع أشواطا من حيث الهيكلة وتوفير نسبة عالية من التسلح والمخابئ الآمنة، بما في ذلك إعداد نفق يسمح بالتخفي والحركة وسرعة التنقل، لكن المجموعة فوجئت بالتدخل الأمني قبل أن تشرع في تنفيذ بعض العمليات، التي كانت "حيوية ومن الحجم الثقيل" مثلما قيل.

2- المغرب:

 أدت عمليات التفجير الخمس التي ضربت الدار البيضاء في السادس عشر من شهر مايو الماضي, والتي أوقعت أكثر من أربعين قتيلا من ضمنهم المهاجمون الثلاثة عشر, وعشرات الجرحى و خسائر مادية معتبرة فضلاً عن إصابة البلاد بحالة من عدم الاستقرار والذعر, إلى دفع الحركات الجهادية الإسلامية في المملكة المغربية وخاصة تنظيم "الصراط المستقيم" المجهول إلى واجهة الأحداث العالمية بعدما كانت مهمشة لفترة طويلة ولأسباب سياسية وأمنية خاصة بالمنطقة عموما وبالمملكة خصوصا.
"الصراط المستقيم" يخلد اسمه على أشلاء ضحايا الدار البيضاء :                                    

 وتعد جماعة "الصراط المستقيم" التي يتزعمها الميلودي زكرياء والتي ظهرت للمرة الأولى في ديسمبر 2002, عندما أحيل 14 من أعضائها إلى محكمة الدار البيضاء بتهمة قتل رجل رجما بالحجارة, والمتهمة رسميا بتنفيذ تفجيرات الدار البيضاء, واحدة من ثلاث مجموعات يوجد قادتها رهن الاعتقال منذ بضعة أشهر, ومن ضمنها جماعة "الهجرة والتكفير" التي يقودها يوسف فكري ( 25 سنة ) الزعيم الروحي, وجماعة "السلفية الجهادية"' وهي تيار لا يؤمن أساسًا بالتنظيم، ولكنهم شكلوا تنظيمًا خاصا بهم فيما بعد بسبب انتماءاتهم الفكرية الواحدة وقلة أتباعهم. وارتبط ذكر هذه الجماعات الثلاث بمجموعة من العمليات التي وقعت في مدن الدار البيضاء وفاس ومكناس وطنجة وتطوان والناظور، وتنشط المجموعات الثلاث خارج إطار الحركة الإسلامية التقليدية المشاركة في الحياة السياسية المغربية وبرضا القصر الملكي، التي تجسدها في المغرب التنظيمات الأربعة المعروفة، وهي "حركة التوحيد والإصلاح" التي تشكل العمود الفقري لحزب "العدالة والتنمية" التي فازت بالمرتبة الثالثة في الإنتخابات المغربية الأخيرة, و"جماعة العدل والإحسان" الأكثر انتشارا وتنظيما والمقاطعة للإنتخابات, و"البديل الحضاري" و"الحركة من أجل الأمة"... ويختلف المراقبون في النظر إلى الجماعات الثلاث، إلى درجة أنهم يدرجونها كلها أحيانا تحت مسمى "السلفية الجهادية" مع التركيز في الحديث على "تطرفها" في أفكارها وتوجهاتها العقئدية .. 9
و"السلفية الجهادية"، كما يدل عليها اسمها تدعو إلى الجهاد لتغيير ما تعتبره منكرا وخروجا عن الشريعة ومروقا عن الدين، باعتبار الجهاد فرضا على كل مسلم لا يحل تركه, وهو ذروة سنام الإسلام.
وتفيد بعض المعلومات الأمنية والتقارير الصحفية, أن هذه الجماعة يتزعمها إمامان هما حسن الكناني و محمد عبد الوهاب رفيقي المدعو 'أبو حفص' ( 28 سنة ) الأكثر شهرة، وهو ابن أحمد رفيقي المدعو أبو حذيفة، أحد الأفغان المغاربة, وكان قد أعلن عن تأييده المطلق لتفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول2001، و أيد صراحة " ابن لادن " أثناء خطبة له في المسجد على أنه قائد للقاعدة وبطل إسلامي وحامي حمى راية الإسلام والمسلمين, وسبقت إدانته بستة أشهر سجنا بدعوى التحريض على العنف، ثم استفاد من العفو بعد قضاء نصف المدة، قبل أن يتم إلقاء القبض عليه من جديد لمحاكمته في قضايا أخرى ما زالت معروضة على القضاء المغربي.. ويرفض أصحاب هذه الجماعة تسمية "السلفية الجهادية" التي يعرفون بها، مدعين أنهم يتبعون مبادئ وأصول أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والعبادة والنهج .       
 تأسيس السلفية الجهادية.. و شخصية محمد الفزازي المثيرة:
ويرجع تأسيس هذه الجماعة في الأصل إلى مطلع التسعينيات على يد محمد الفزازي الملقب بأبي مريم (54 عاما) المتحصل على شهادة الدكتوراه في شعبة الفلسفة والذي سبق له أن كان خطيبا في مساجد فاس وطنجة وبرز وقتذاك كقائد للسلفية في المغرب ومنظر السلفية الجهادية، التي تنتسب إليها المجموعة "المتورطة" في تفجيرات 16 مايو الماضية حسب وسائل الإعلام المغربية, علما بأن محمد الفزازي ينفي عنه الانتماء إلى "السلفية الجهادية" ويؤكد بقوة أنه : 'مسلم يؤدي صلواته في مساجد المغرب"، مضيفا : ' أما ما يسمى بالسلفية الجهادية فهذا من نسيج خيال الإعلام الملحد ببلادنا، ولقد كتبت في غير واحدة من الجرائد أننا أهل السنة والجماعة، ولسنا سلفية جهادية, فنحن نصلي، فلماذا لا يقال عنا سلفية مصلية ؟؟ ونحج ولا يقال عنا سلفية حاجة ؟؟ ونصلي ونصوم ولا يقال عنا سلفية كذا وكذا ؟؟ ولماذا ونحن نؤمن بالجهاد في سبيل الله ككل مسلم على وجه الأرض، لماذا يقال عنا سلفية جهادية ؟؟ أليس هذا هو التحريض عينه ؟؟ أليس هذا هو نوع من التحرش بنا ؟؟ إنها مؤامرة حيكت ودبرت بليل , نحن مسلمون وكفى'.. كما شارك في برنامج ' الاتجاه المعاكس ' بقناة الجزيرة، و تم اعتقاله عقب حوار أجرته معه جريدة ' الشرق الأوسط ' بعد تفجيرات الدار البيضاء، أثار ضجة إعلامية آنذاك، واتهم على إثرها بالتحريض على العنف و الإرهاب.. وفي عام 1993 أصدر كتابه الضخم ' رسالة الإسلام إلى مرشد جماعة العدل والإحسان ' ينصح فيه الشيخ بالدليل الشرعي ويبين فيه بعض الشطحات المتعددة في أفكار مرشد الجماعة الشيخ عبد السلام ياسين في التصور والتصرف على السواء, مع انتقاده الصريح إلى نهج الجماعة في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, و الانتماء الصوفي ومهادنة السلطان... و أكد الفزازي حينذاك أنه يدين الاعتداءات التي حصلت بالدار البيضاء لكنه أكد رفضه " التفسيرات الرسمية " لدوافع المهاجمين, معتبرا أنهم "استهدفوا مصالح إسرائيلية وغربية", موضحا أن عملهم يندرج في إطار الحرب المفتوحة بين المجموعات المقاتلة خارج البلاد (المغرب) وأمريكا وحلفائها وخاصة إسرائيل ..
وفي السياق ذاته، لم يتوصل المحققون المغاربة إلى هوية تنظيم "الصاعقة" الذي اتهم المخابرات المغربية بتدبير الهجمات في رسالة 'مجهولة' نشرتها صحيفة 'الأسبوع' المغربية التي اعتقل رئيس تحريرها ووجهت إليه اتهامات بتشجيع الإرهاب وزرع البلبلة والفتنة واعتبرت نشره الرسالة المذيلة باسم مستعار ' القعقاع' سلوكا خطيرا يهدد أمن المغرب.
وتعود أول إشارة جدية إلى وجود مجموعات ' إسلامية متطرفة ' ـ حسب وصف الإعلام المغربي ـ إلى مايو/أيار 2002 , عندما أوقفت الشرطة ثلاثة سعوديين وسبعة من المغاربة للاشتباه بأنهم يشكلون
'خلية نائمة ' من تنظيم القاعدة, وصدرت أحكام قاسية بالسجن لمدة عشرة أعوام على السعوديين وأحكام متفاوتة بالنسبة لباقي المجموعة بعدما أدين أفرادها بالتحضير لعمليات ' إرهابية ' في المغرب, وضد سفن تابعة لحلف شمال الأطلسي في مضيق جبل طارق.
يبقى أن التفسير المبسّـط للتيار السلفي القائل بأنه يدعو إلى "العودة
بالأمة إلى اعتقاد سلفها الصالح واتِّـباع الكِـتاب والسُـنة، كما فهمهما النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته"، ويتكفل بتأصيل هذا الفهم عبر القرون، علماء يتفاهم السلفيون بشأنهم ويصنفونهم على أنهم هم الذين يؤخذ عنهم شرح الكتاب والسُـنة "على منهج السلف"، وبذلك، يصل هذا الفهم إلى القرن الحادي والعشرين مبسَّـطا واضحا، ولو كُـتِـب على الإنترنت أو تكفلت الهواتف النقالة بالباقي.

  3- ظهور السلفية في موريتانيا
يمكن القول إن التيار السلفي الجهادي الذي يتنبى العنف وسيلة للتغيير، ظل بعيدا عن التأثير في المجتمع الموريتاني، نظرا لسيطرة الحركات الصوفية التي لا تهتم كثيرا بالشؤون العامة كالسياسة والدولة، ومفردات الجهاد والأمة ..الخ
ومع مطلع تسعينات القرن الماضي، تأثرت موريتانيا برياح ما يعرف بصحوة السلفية في العالم الإسلامي، لكن ذلك التأثير بقى محدودا جدا، ولم يتجاوز التعاطف مع بعض منظري هذه الصحوة، والإعجاب بفلسفتهم الجهادية ضد أمريكا وإسرائيل خاصة.. وازداد هذا التعاطف مع تنوع العمليات التي ينفذها السلفيون ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، "نيروبي، ودار السلام 1998 وأحدث الـ11 سبتمبر 2001".
ومع إعلان بوش الصغير الحرب العالمية على الإرهاب، بدأت السلطات الحاكمة في نواكشوط آنذاك باستفزاز النشطاء الإسلاميين بشكل عام، وفتحت السجون، وحشرت بها العشرات منهم، لكن ذلك لم يكن كافيا لإقناع هؤلاء المعتقلين بتبني العنف كخيار في مواجهة السلطات.

وفى صيف 2003 بلغت الاعتقالات أوجها، حيث استهدف الأمن الموريتانى قيادات وعلماء كبارا، وذهب أبعد من ذلك حين قام بتسليم 3 معتقلين إلى الاستخبارات الأمريكية التي أودعتهم سجن غوانتانامو ولا يزالون يقبعون داخله حتى اليوم، وهم الحالة الوحيدة من بين المعتقلين هناك التي تم فيها تسليم مواطنين في بلدهم إلى الولايات المتحدة، فجميع معتقلي غوانتانامو تم اعتقالهم خارج بلدانهم التي ينتمون إليها.
وللإشارة فقد أعلنت السلطات الحاكمة حاليا أنها بصدد العمل على إطلاق سراحهم.. وخلال هذه الفترة ظلت العلاقة بين الإسلاميين ونظام ولد الطائع تتدهور، مما ولد نزعة متشددة لدى بعض هؤلاء، ومن هنا بدأت أولى نواة للتيار السلفى في موريتانيا.
ظهور السلفيين

في صيف العام 2005 دشنت السلطات الأمنية حملة اعتقالا فى صفوف بعض الشباب الذين زعمت حينها أنهم تلقوا تدريبات عسكرية على يد الجماعة السلفية للدعوة والقتال فى الجزائر، لكن السلطات أقرت أن هؤلاء المعتقلين قد تدربوا لقتال القوات الأمريكية فى العراق، ولم تكشف التحقيقات عن أى نية لدى هؤلاء للقيام بأعمال داخل موريتانيا، وأشيع حينها أن الشرطة سمحت لوكالة الأمن القومى الأمريكى بالتحقيق مع هؤلاء فى السجن المدنى بانواكشوط وهو ما أكده بعضهم لاحقا..
موازاة مع حملة الاعتقالات الجديدة، قامت أجهزة أمن الجولة بفرض حصار محكم على المساجد، ومراقبة الأئمة، والدعاة، ودخلت البلاد ما يشبه حالة الطوارئ، وجندت الحكومة الحزب الجمهوري- الحاكم أنذك- الذى يملك أذرعا أخطبوطية هائلة لتقصى أخبار هؤلاء وتعبئة المواطنين حول خطر المد الأصولى فى البلد.
وبعد اقل من شهرين تعرضت حامية عسكرية على الحدود مع الجزائر لهجوم واسع تبنته الجماعة السلفية للدعوة والقتال فى الجزائر، أسفر عن مقتل 15 عسكريا موريتانيا، وذكرت الجماعة فى بيانها بالمناسبة أن الهجوم إنذار لحكام نواكشوط من مغبة التحالف مع الأمريكيين، ورد على ارتمائهم فى أحضان اليهود.
وانتهزت نواكشوط الفرصة لإقناع الرأى العام الوطنى والدولى بصدقية اتهاماتها ومشروعية قلقلها من الأعمال "الإرهابية".
10
المحور الثالث :أشكال السلفية وتطورها وتقسيماتها :

السلفية الجهادية هي حالة تحالف واندماج فكري تكونت حين اندفع أعداد من الشباب السعودي لتبني برامج المقاومة في مناطق عدة من بلاد المسلمين التي تعرضت لعدوان أو استعمار، فكان غالبية هؤلاء الشباب في بنيتهم الفكرية يتبنون المدرسة السلفية السعودية. غير أن الدعوة السعودية لم تكن تتبنى منهج المقاومة بل وحتى الدعم لها لاعتبار أن هذه الشعوب في أصلها ليست على العقيدة الصحيحة ومشكوك في سلامة إسلامهم وفقا لكتب العقيدة التي تدرس. لكن حماس هؤلاء الشباب وحميتهم لدينهم خاصة أنهم ينتسبون لأرض الحرمين ومجتمعات عريقة في روحها العربية الإسلامية قررت دخول المعركة لكن في استقلال عن  أهل البلاد أو على الأقل تميز عنهم للاعتبار العقدي الذي يحملونه، وهو ما يفسر معسكرات الشباب العرب في أفغانستان وبعد ذلك في طاجيكستان والشيشان وغيرها. وهو ما سبب أزمة كبيرة وأثر سلبياً في وحدة الصف وصلابة المقاومة لدى أهل البلاد والقدرة على تنظيم قضيتهم بتقديراتهم الوطنية وفقاً للمصلحة الإسلامية العليا.

هذه السلفية حظيت بتعاطف كبير في البداية من مشايخ السلفية السعودية ودعم واسع، كون الحرب ذات بعدين. البعد الأول هو مقاومة المستعمر الأجنبي، وهذا ما يقوم به هؤلاء الشباب في حماس وفداء وتضحية وهم ينسبون إلى الفكر السلفي وهو ما يعزز انتشار الفكر. وفي نفس الوقت يقومون بمقاومة المذاهب الإسلامية السنية التي ناضلت الدعوة السعودية في سبيل محوها محواً تاماً، ويبشرون بإنشاء جيل جديد يؤمن بالفكر الأيديولوجي لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

واستمر هذا الوضع في السياق نفسه مع فتور طرأ عليه حتى جاء زلزال 11 أيلول وتبني الشيخ أسامة الحرب العلنية على الولايات المتحدة، فلم يعد هناك مجال لهذا التعاون ولا التراخي ولو فكريا حيث ثار الوحش الأميركي على أصدقائه وأعدائه وانقلبت صورة الرضا أو التغاضي عن أنموذج التدين السعودي إلى حنق شديد ورغبة في الانتقام. وكان التيار السلفي الجهادي في طليعة الأهداف، فانكفأت الصورة وبدا المشهد يظهر أزمة التفكير وأصوله التاريخية هنا وهناك، وبرز الخلاف في حدته بين السلفية السعودية والسلفية الجهادية. وبعد مرور عام على أحداث 11 أيلول بدا أن الشيخ أسامة قرر المفاصلة بينه وبين السلفية السعودية، وهو ما أعلن عنه في رسالته الأخيرة.

التيار المشيخي المحرك الرئيس القديم

من بين التيارات السابقة، يحظى التيار المشيخي بقبول قوي داخل الساحة السعودية ليس فقط لقوة طرحه بل لعلاقته الوثيقة بالنظام وحفاظه على اتصال جيد مع الشعب رغم أنه لم يستطع تطوير رؤى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومشروعه الذي ارتكز على العمل لإصلاح المجتمع النجدي والقضاء على الفساد والمظالم والسلب والنهب المنتشر في الجزيرة العربية. غرق التيار المشيخي لفترة طويلة في تفاصيل العبادات وتخلى عن مشروع بناء الدولة القوية الآمنة والمجتمع المتكافل. ونسى ان الشيخ ابن عبد الوهاب رجع الى نجد بعد رحلته العراقية محملاً بتصميم قوي على إصلاح المجتمع معتمداً على المشروع الإسلامي كمحرك رئيس لهذه المهمة. ورغم أن دور المؤسسة الدينية لم يكن بعيداً عن أوراق لعب الأسرة الحاكمة، الا أنه يعد شريكاً محترماً في صناعة القرار، إذ أن الاتفاق الذي تم بين ابن عبد الوهاب وابن سعود لتأسيس الدولة السعودية الأولى ينص على تقاسم السلطتين الدينية والسياسية مع عدم وضوح في تحديد فضاءاتهما... ويتضح ذلك من خلال ما سجله المؤرخون بشأن الاتفاق، حيث بايع محمد بن سعود الشيخ ابن عبد الوهاب بالقول: «يا شيخ سأبايعك على دين الله ورسوله وعلى الجهاد في سبيل الله، ولكنني أخشى اذ أيدناك ونصرناك وأظهرك الله على أعداء الإسلام، أن تبتغي غير أرضنا، وان تنتقل عنا إلى ارض أخري».

الشيخ ابن عبد الوهاب استفاد من هذه المبايعة فأكد من جهته على وقوفه بجوار ابن سعود وعدم مغادرة الدرعية التي أصبحت عاصمة للدولة السعودية الاولى (...) ورغم هذه القوة التاريخية للمؤسسة الدينية الا ان التيار المشيخي في الوقت الراهن سلم الحاكم اوراقاً كثيرة وأبتعد عن قيادة العمل الإصلاحي الذي كرسه الشيخ ابن عبد الوهاب ولم يطور ادواته بل توقف وتجمد مانحاً المؤسسة السياسية ورقة الاصلاح فتعاملت معها لاغراضها التي لا تتوافق كثيراً مع المصلحة العامة.

أمر آخر فتّ من عضد المؤسسة الدينية ممثلة بالتيار المشيخي، وهو ارتفاع حدة المعركة مع التيارات الاخرى، والتي بدأت تنال من كعكته الوطنية، رغم وقوف النظام الى جوار هذا التيار المشيخي ضد التيارات الاخرى خاصة الجهادية منها، ورغم الاهتمام العام لدى المواطنين بتنمية الروح الاسلامية وشيوعها داخل البلاد. وقد أصيب الجسد المشيخي بطعنات قوية لعل اهمها قيام «الشيوخ الرسميين» اي قادة هذا التيار بتبرير ما يعتبره الآخرون اخطاء سياسية لا تغتفر من قبل النظام وتنازلهم عن مرجعيته.

التيار الجهادي

بعد أحداث 11 أيلول برزت قيم جديدة في فكر المقاومة لدى العالم الإسلامي، أولى قواعده هي الإجماع على تحديد العدو الإستراتيجي حسب فكر هذا التيار وقناعة شعوب العالم الإسلامي وهو التحالف الأميركي الإسرائيلي.

هذا الفكر الوحدوي يعتبر أن الأمة الإسلامية وعماد صلبها أهل السنة والجماعة أمة موحدة ذات ثوابت وأصول واحدة وإن اختلفت أطيافهم ومذاهبهم، وبدا هذا الفكر يشكل قاعدة واسعة عريضة تؤمن بفكرها إيماناً عميقاً وإصراراً حديدياً، وليس لها صفات محددة تستطيع أن تحصرها قوى المخابرات المحلية أو الدولية تجاوزت فيه الحدود الإقليمية والمصالح الفئوية وحتى نظريات الأحزاب الإسلامية التي لم تشارك في معركة المقاومة.

وهو فكر يزداد بصورة مطردة ويتوسع حتى مع حالات القمع الأمني، ليس محصوراً في طائفة المتدينين فحسب بل يظهر فجأة في كل ناحية. وليس بالضرورة في وجهة نظري أن يكون هذا التيار مرتبطا ارتباطا عضويا ولكنه يشترك في الهدف حتى دون معرفة المجموعات هنا وهناك أو تواصل معهم.

 السلفية العلمية

 

تمثل السلفية العلمية، الحل السحري أو التقليعة التي ابتكرتها مصالح الأمن الخليجية في أعقاب غزو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين للكويت، حيث كان خطر استقطاب الإسلاميين العرب الأفغان واردا لضرب المصالح الأمريكية في كل من المملكة العربية السعودية والكويت، فكان أن خرجت السلفية العلمية، التي فسرت قرار الاستعانة بالقوات الأمريكية على أنه "اجتهاد حاكم" وأن الخروج على الحكَّـام "كبيرة من الكبائر".



أثبتت الشهور التي أعقبت حرب الخليج الأولى، أن عملية إلهاء الأفغان العرب قد نجحت بعض الوقت، غير أن النجاح لم يستمر وفضّـلت مصالح الأمن الخليجية ترك غضب الأفغان العرب من مواطنيها وغيرهم، كي ينفجر في البوسنة والهرسك أو بعيدا في بلاد الشيشان، وهو ما يُـظهر أن المعادلة معقّـدة ولا يُـمكن الادِّعاء أن التعاطي الأمني كفيل لوحده بالقضاء عليها.

وتستمر المواجهات والتلاسنات بين السلفيتين، العلمية والجهادية، في الجزائر والمغرب، ولا يسمح فهكذا تصرّف النظام التونسي، مع ما يظهر أن نقاشا كهذا موجود في ليبيا وموريتانيا، بدليل انضمام شباب موريتاني كثيرين إلى الجماعة السلفية الجزائرية ونفذوا معها هجمات عديدة ضد قوات الأمن الجزائرية والموريتانية في السنوات الثلاث الأخيرة.



على أن ولادة الجماعة السلفية الجزائرية لا يمكن مقارنتها بمثيلاتها التونسية والمغربية والموريتانية، لأن الجزائرية خرجت غاضبة عام 1998 من أدغال الجماعة الإسلامية المسلحة، التي اشتهرت بمذابحها المروِّعة ضد المدنيين، ورفض مؤسسو الجماعة سياسة التذبيح، رغم أن إعلان الرفض قد تأخر بعض الوقت، هُـلك خلاله الكثيرون، ومن المؤكد أن التاريخ سيكون كفيلا بإظهار ماهية الرفض وسبب تأخُّـره.

 

غياب المرجع الديني

 

من الناحية الاستخبارية، لا يخفي دبلوماسيون غربيون كثيرون، أملهم في اختراق تنظيم القاعدة عبر السلفيين المغاربة، وبخاصة الجزائريين، بسبب ضُـعف مستواهم التعليمي، كما أن التسيير الإعلامي الكَـتوم للجماعات السلفية المغربية، يجعل أمرا ممكنا عمليات طويلة النفس هدفها إيجاد جماعات جديدة موازية تتّـصل بما هو موجود، ويمكن لعملية كهذه أن تستمر ما بين ثلاثة وخمسة أعوام عبر تعاون دولي لا لُـبس فيه.

ولا تخفي هذه المعطيات، أن التفكير السلفي، اعتقادا وعملا، أمر راسخ في العالم الإسلامي، وبخاصة في دول الخليج ومصر والمغرب العربي، وأن الجماعات السلفية الجهادية، إن صح التعبير، لا تمثل إلا نتاجا مسلحا لنقاشات دينية وحركية، يغيب عنها المرجع الدّيني، الذي إن ثبت فشله في مصر، رغم أصالته وعلمه، فماذا يؤدّي غِـيابه في بلاد المغرب، ثم ماذا يُـمكن للمَـراجع الدينية القوية في بلدان الخليج أن تفعل مع تنظيم القاعدة؟ لها، وهو مشروع يبدو أنه يحظى بتأييد الغالبية الساحقة من أبناء المسلمين.

أطياف سلفية

 ولكي نفهم كيفية عمل هذه المؤسسة، يتوجب علينا معرفة أطيافها وتياراتها:

• التيار الأول: هو التيار الذي يختزل الفكر السياسي في الإقرار للأنظمة الحاكمة بالشرعية ووجوب الطاعة التعبدية لها، ويشترط التصريح بالكفر من قبل الأنظمة ورجالها، كيما يمكن إعادة النظر في شرعيتها (إعلان الكفر البواح). هذا التيار يطلق عليه في الدوائر الإسلامية المحلية التيار الجامي او المدخلي، نسبة الى محمد أمان جامي، وربيع المدخلي، وهما من رموز هذا التيار والمنظرين له. ومن أبرز الشخصيات التي تمثل هذا التيار الآن بالإضافة الى الشيخ المدخلي: علي الحلبي وعبيد الجابري وعبد الله السبت وشخصيات أخرى في الخليج والاردن. ومع ان هذا التيار ينسب نفسه الى السلفية، الا ان بقية الفرق السلفية تعتبره امتداداً لمذهب الإرجاء الذي ظهر في التاريخ الإسلامي.

• التيار الثاني: يقرّ من الناحية العملية لكثير من الأنظمة الحاكمة بالشرعية، لكنه من الناحية النظرية يطرح وجهة نظر أكثر مثالية وتفصيلاً للحكم الإسلامي، خاصة إن كان الطرح غير محرج مع الأنظمة. ومن خلال الطرح النظري، ينسب لهذا التيار مواقف وفتاوى لها علاقة مهمة بقضية الديموقراطية. ويمكن إدراج الشيخ الألباني والشيخ مقبل الوادعي والشيخ بن باز والشيخ ابن عثمين في هذا التيار. كذلك يمكن إدراج عدد كبير من أعضاء المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية مع هذا التيار. ولا بأس أن نطلق على هذا التيار اصطلاحاً «التيار المشيخي» بسبب تصنيف كثرة من المشايخ المشهورين في إطاره.

• التيار الثالث: هو تيار الجماعات التي تسمي نفسها سلفية، مثل اتجاه الشيخ عبدالله بن جبرين ويوافقه الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق والشيخ عبد الرزاق الشايجي وحامد العلي في الكويت، وجماعة أنصار السنة في السودان ومصر سابقاً. وهذا التيار قريب جداً من فكر التيار المشيخي، لكن ما يميزه أنه أكثر تنظيماً وانغماساً في الشأن السياسي، كما يوضح ذلك النموذج الكويتي، من خلال نشاط الجماعة السلفية ممثلة في الحركة السلفية العلمية التي يديرها الدكتور عبد الرزاق الشايجي. وربما يصنف مع هذا التيار الشيخ علي بلحاج من الجزائر في مرحلة ما قبل الانتخابات في الجزائر. ويمكن تسمية هذا التيار جدلاً «تيار السلفية العلمية».

• التيار الرابع: وهو تيار الشخصيات السلفية داخل جماعة الأخوان المسلمين، مثل أحمد التويجري في المملكة والشيخ الزنداني في اليمن، والشيخ عمر الأشقر في الأردن، والشيخ عصام البشير في السودان. ولهذه الشخصيات وجود قوي في جماعة الإخوان، ويبدو أنها بدأت تفرض نفسها بعد انتشار العلم الشرعي وموجة الفكر السلفي عند جمهور الإخوان. ومواقف هذه الشخصيات من القضايا السياسية في الجملة لا تخرج عن موقف حركة الإخوان، ويمكن تسمية هذا التيار «سلفيي الإخوان».

• التيار الخامس: وهو الأوسع انتشاراً وتأثيراً في الطيف الديني ويتميز بنشاط فكري وحركي، ويعتبر الأكثر نشاطاً وتفاعلاً مع الدوائر الإسلامية الواقعة خارج التيار السلفي، بل قد لا يجد غضاضة من التواصل حتى مع التيارات التي يصنفها التيار السلفي أنها غير إسلامية. ويندرج تحت هذا التيار اتجاه الشيخ محمد سرور زين العابدين والشخصيات المحسوبة على مدرسته مثل الشيخ سلمان العودة والشيخ سفر الحوالي والشيخ عبد المجيد الريمي والاستاذ جمال سلطان والدكتور صلاح الصاوي والاستاذ محمد الأحمري. ولهذا التيار في الجملة موقف متحفظ عن شرعية الانظمة، دون الدعوة للتكفير او رفع السلاح او الثورة ضدها. وربما تكون كتابات رموز هذا التيار ومشاركاتهم الفكرية نسبياً أغزر ما يوجد حول قضية الديموقراطية. ويمكن تسمية هذا التيار «التيار السروري» نسبة للشيخ محمد سرور بسبب غزارة ما يصدر عنه، وخاصة في مجلة «السنّة» التي يرأس تحريرها والتي تتمتع بانتشار واسع. لكن الشيخين العودة والحوالي يفضلان الحديث عن «تيار الصحوة» بدلاً من شخصنة التيار واشتقاق اسمه من اسم محمد سرور.

• التيار السادس: وهو تيار الفكر الجهادي النظري، ينظر الى المشروع الجهادي بأطر عامة دون الدخول في فتاوى وتفاصيل الاعمال الجهادية، ودون تحديد الانظمة التي يتحدث عنها. ويطرح هذا التيار موقفاً رافضاً للانظمة الحالية غالباً بالاشارة بدلاً من العبارة، ويطرح تأصيلاً واضحاً في رفضها دون أن يسميها. ولا تنتشر بين رموز هذا التيار ظاهرة الحرص على تكفير أعيان الحكام او المحسوبين على الجهاز الحاكم. ومن الشخصيات المهمة والمؤثرة في هذا التيار الاستاذ محمد قطب والشيخ الفزازي والشيخ غازي التوبة والشيخ عبد المجيد الشاذلي.

• التيار السابع: هو التيار الجهادي العملي، وهو تيار فرض نفسه عددياً وفكرياً في الطيف السلفي بعد التجربة الافغانية وبعد المواجهات التي حصلت مع النظامين المصري والسوري في الثمانينات، والنظام الجزائري في التسعينات. وصرح هذا التيار برفض الانظمة الحاكمة المحددة بالاسم ويقطع بعدم شرعيتها علناً ويدعو الى مقاومتها وإزالتها بالقوة، ولكن هناك تفاوت بين رموزه في التصريح بتكفير أعيان الحكام او أجهزة الحكم. ومن أبرز من يمثل هذا التيار اسامة بن لادن وعلي الخضير وناصر الفهد والخالدي وغيرهم من المنتمين او المتأثرين بـ«القاعدة»، ويماثلهم في الطرح من غير السعوديين الشيخ عمر عبد الرحمن ومحمد المقرىء ومعهم «الجماعة الإسلامية» في مصر، والدكتور أيمن الظواهري، والدكتور عبد القادر عبد العزيز، ومعهم «جماعة الجهاد» المصرية، والشيخ أبو محمد المقدسي والشيخ عمر أبو عمر (أبو قتادة) والأستاذ محمد الرحال، والأستاذ أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم) الذين يعتبرون حالياً منظرين للتيار السلفي الجهادي العملي في كثير من أنحاء العالم.

هذه التيارات تلعب دوراً كبيراً داخل المؤسسة الدينية، وهي رغم اختلاف توجهاتها وادواتها، إلا انه لا مناص من الاعتراف بأنها تمثل الطيف الإسلامي السني داخل المملكة، وتقوم بدور كبير على الساحة السياسية السعودية.

بعد استعراضنا للتيارات الدينية ضمن الدائرة السنية، سوف نستعرض موقف التيار المهم وهو التيار المشيخي لدوره القوي في اللعبة السياسية السعودية وتأثيره على أية محاولات او مشاريع اصلاحية.

خارطة التكفير

وإذا كان يحلو لبعض الباحثين أن ينسب للمصريين تهمة تحويل بن لادن إلى تكفيري للأنظمة والشعوب، فإن الوقائع التي يذكرها منصور النقيدان (الكاتب الليبرالي) حول خارطة التكفير في السعودية، تكاد تفصح بأن البيئة تعج بعوامل الإقصاء والتكفير حتى للدولة السعودية نفسها وليس الأمر مقتصراً على عصام البرقاوي المعروف بأبي محمد المقدسي في كتابه "الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية".

وحسب النقيدان ثمة سلفيون جدد كوًنوا ما عرف بالسعودية بالسلفية المجاهدة وأبرز رموزها الشيخ الراحل حمود بن عقلاء الشعيبي والشيخ عبد العزيز الجربوع الذي صنف كتاباً في تأصيل ما حدث لأمريكا من تدمير في 11 أيلول (سبتمبر) 2001.والسلفية الجديدة تقتفي نهج الشيخ ابن باز وعلماء الوهابية، وبعض آراء واجتهادات عالم الحديث الراحل محمد ناصر الدين الألباني في الفقه والحديث. وكان حي السويدي في الرياض هو قاعدة هذا التيار.

ويقول النقيدان إن الفضل يعود في نبش تراث التكفير، تكفير الحكم السعودي بالأخص، إلى اثنين :أولهما "أبو محمد المقدسي" الفلسطيني الذي كان يقيم في الكويت، وتم إبعاده إلى الأردن بعد تحرير الكويت. ورسالته "ملة إبراهيم" تعتبر دستور التكفيريين، ويؤكد مطلعون على أنها في الأساس تحشية على رسالة قديمة لجهيمان العتيبي تحمل الاسم نفسه!

أما الآخر فهو اسم تجهله الغالبية العظمى من الإسلاميين في السعودية. وهو أبو سبيع وليد السناني وما يزال موقوفاً في سجن الحاير منذ ثماني سنوات، وله حضور طاغ في مجالس المناظرة التي كانت تجري بينه وبين من يخالفونه الرأي من معجبيه، أو من خصومه على حد سواء.

وقد ألف أبو سبيع رسالة موجزة عن حكم ( التحية العسكرية) توصل فيها إلى أن التحية العسكرية كفر وردة عن الإسلام لما فيها من إظهار الخضوع لغير الله، وكان يقوم بنشرها بنفسه.

وهناك أيضاً أهل الحديث /أخوان الحرم (جهيمان العتيبي ومجموعته) بمنشوراتهم وكتيباتهم التي كانت تطبع في الكويت وتهرب إلى السعودية قبل حادثة الحرم أواخر سبعينات القرن الماضي، ومنها (الرسائل السبع) التي أعيد إحياؤها وبعثها أواخر الثمانينات يعني بعد أقل من عشر سنوات من القضاء عليهم، وإن لم تكن رسائلهم من الوضوح والصراحة كما في كتب المقدسي.

يضاف إليهم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، قبل حرب الخليج الثانية وعقيبها بسنتين، حيث كان أحد روافد التكفير في السعودية.

قام الوادعي أوائل الثمانينات بتأليف كتاب تناول فيه أطياف الإسلاميين الموجودين في السعودية والخليج، وهو كتاب" المخرج من الفتنة" أبدى فيه تعاطفاً واضحاً مع أهل الحديث، وأنحى باللائمة فيه على الحكومات العربية والسعودية على وجه الخصوص، وفي كتابه (السيوف الباترة لإلحاد الشيوعية الكافرة) هاجم الوادعي السعودية في ثمانية مواضع من الكتاب وشكك في شرعية نظامها. كان للوادعي علاقة وطيدة بأهل الحديث قبل طرده من السعودية عام 1979.

وفي أواخر عام 1990 بدا للأجهزة الأمنية أن الأشخاص الذين تستوقفهم مراكز التفتيش الأمنية، ولا يحملون (التابعية) أو البطاقة الشخصية، هم بازدياد. فقد كان البعض يمزق بطاقته، لأجل الصورة الملصقة التي يعتقد تحريمها، ولأمر ثان وهو الأهم أن كونك تحمل (تابعية) أو هوية سعودية، هو إقرار بالتبَعية لنظام طاغوتي كافر.

رسائل جهيمان كانت تتناول أحاديث نبوية مما يخص المغيبات والملاحم والفتن التي ستعرض لأمة الإسلام آخر الزمان، وكانت له تفسيراته الخاصة التي لم يسبق إليها لعدد من الأحاديث، ومنها أحاديث المهدي، فقد كان هناك توطئة وتمهيد وتبشير لمهديه الذي قتل في الحرم (محمد بن عبدالله القحطاني).

أُما الصحويون (الأخوان المسلمون السعوديون)، سلمان العودة وسفر الحوالي فهم الذين يستأثرون بحصة الأسد من الإسلاميين والشارع في السعودية كما يؤكد النقيدان.

وسلفية المدينة أو الجامية، نسبة إلى د.محمد أمان الجامي أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو تيار سلفي حظي برعاية أجهزة الأمن الحكومية، لمواجهة الشعبية الكاسحة للعودة والحوالي.

"وشكلت حرب الخليج الثانية منعطفاً مهماً في تطور مراحل هذا الفكر، وإعادة ترتيب تحالفاته، كما أنها أعادت تشكيل الظاهرة الإسلامية في السعودية بعامة، حيث تم تطعيمها بأفكار أكثر جذرية وراديكالية، وحدث ما هو أشبه بتبادل المقاعد بين تلك الألوان، كما أن الملمس اللين لحركيي الصحوة وقياداتها التاريخية، تكشف عن وجه أكثر شراسة حينما أفتوا في محاضراتهم بتكفير اللواتي قمن بمظاهرة قيادة السيارات إبان حرب الخليج الثانية، وبوصفهم لمن أيدوهن أو تعاطفوا معهن بأنهم علمانيون مارقون، إلى موقفهم من مشاغبات غازي القصيبي وتكفيرهم له، كما أن موقفهم الرافض لوجود القوات الأمريكية، وضع شرعية الحكومة السعودية تحت النقاش، الأمر الذي أكسبهم شعبية مضاعفة، وجماهيرية مكتسحة، ساعدت على إضعاف مصداقية مشايخ المؤسسة الدينية التقليدية (ابن باز وابن عثيمين) لموقفهم المؤيد للحكومة فيما يخص تواجد القوات الأجنبية في الخليج والسعودية لتحرير الكويت.

افتقاد سلفية المدينة أو الجامية للمصداقية، أدى إلى انحساره في منتصف التسعينات، ولم يعد له اليوم حضور يذكر.

وإن مشاركة آلاف من السعوديين في الجهاد الأفغاني، إبان الاحتلال السوفياتي، أوجدت حالة من الاختلاط مع الجماعات الإسلامية الأخرى التي عرفتها المنطقة العربية، كالجماعة الإسلامية، والجهاد المصريتين، وجماعة التكفير، والوقف والتبين وغيرها ما أفسح مجالاً للتفاعل وتبادل التأثير.

أما أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد أفرزت توجهين اثنين بارزين، أحدهما احتل الصدارة وهو السلفية الجهادية التي انضوى تحت جناحها غالب ألوان الطيف الأخرى وانصهرت في بوتقتها، والثاني بدأ في التخلق -من رحم أكثر التوجهات تطرفاً- منذ منتصف التسعينات، وله الآن حضور يزداد يوماً بعد يوم، وهو مايسمى بالتيار التنويري الإصلاحي، أو من يوصفون محلياً بـالعقلانيين الذين يشكلون خطاباً إسلامياً اكثر اعتدالاً وانفتاحاً.

الشيخ حمود العقلاء (الرجل الأبرز في مساندة السلفية الجهادية) كان أفتى بمقاومة أجهزة الأمن بالسلاح، وهذه الفتوى اليوم هي المعمول بها، وهذا ما يفسر ازدياد حالات إطلاق النار على الأجهزة الأمنية، كما أن لها فهمها الخاص بها تجاه المسلمين الذين يعيشون في أمريكا والدول التي تسير في فلكها، فهم يعتقدون أن كل مسلم مقيم في هذه الدول فهو محارب للإسلام، ما دام أنه من دافعي الضرائب". (خارطة الإسلاميين في السعودية قصة التكفير /مختصراً/، منصور النقيدان)، وبناء على الفتوى السابق ذكرها بُرِّرت لاحقاً هجمات نيويورك وواشنطن، فلا تمييز بين مقاتل وغير مقاتل أو بين عسكري ومدني في بلاد العدو طالما أن المدنيين الأمريكيين يدينون الولاء للدولة ويدفعون ضرائبها، علماً أن بن لادن أهدر عام 1996 دم كل الأمريكيين عسكريين ومدنيين.11

وأخيرا، يبدو من أشكال السلفية، ما كان إصلاحا سياسيا ودينيا، يُـشرف عليه علماء ومفكرون، مثل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحملة الأسانيد المتّـصلة لرواية الحديث الشريف في المغرب الأقصى، ولكن ضمن هذا التيار الأخير، هناك تياران سلفيان برزا كشكل من أشكال الاستقطاب الدعوي والحركي والأمني، هما "السلفية العلمية" و"السلفية الجهادية".

الواقع، أن صورة الجماعة السلفية للدعوة والقتال، تمثل في أبسط حالاتها دوّامة مَـصالح الأمن العربية والغربية تُـجاه تنظيم الإخوان المسلمين، كتنظيم حركي يُـريد الانقلاب على الأنظمة العربية العِـلمانية في المدى المتوسط أو البعيد،  ويبدو من أشكال الدّعم الذي، قُـدم للمجموعات الأفغانية المسلّـحة في حربها ضد السوفيات في ثمانينات القرن الماضي، أن التشكُّـل السلفي المسلح قد بدأ هناك، لأن الإخوان المسلمين كانوا متواجدين هناك عبر التنظيم الدولي واختلطوا بحركيين سعوديين وكويتيين ومغاربة، غير إخوانيين، ترسّـخت لديهم القناعة مع مرور الوقت أن الإخوان لديهم شيء ناقص أو أن عندهم شيء زائد، ولا يُـفيد في عودة التوازن، إلا "الاعتماد على الأفكار الذاتية التي لدينا، إنها سلفيتنا".
ما كان زائدا أو ناقصا لدى الإخوان المسلمين، مع أنهم قاتلوا في أفغانستان، هي تلك السهولة في حلق اللّـحى والتفاوض مع الحكومات والمشاركة في الانتخابات وما يتبعه من مفاوضات وتنازلات، وبرز ضمن هذا التوجه حقيقة أن التحضر ونقيضه، لا يمثلان سببا في الالتزام بالسلفية كشكل جديد من أشكال التعامل الدعوي والأمني مع الظاهرة الإسلامية الحركية.
بالنسبة للجماعة الإسلامية للدعوة والقتال، يعتبر الانتماء إلى انقسام الثمانينيات في أفغانستان طبيعيا وحيويا، لأنه يساعد على التموقع في المقام الأول ويساعد في الأخذ والاتصال بشبكة معقَّـدة من العلماء والدعاة في كامل العالم الإسلامي، بل وحتى في بلاد المهجر، وبخاصة في أوروبا والولايات المتحدة.

 أخيرا، أثبت التاريخ أن السلفيين كان لهم حظ في قيادة دول، مثل دولة الموحّـدين في المغرب العربي، وربما تُـظهر السنوات القادمة أن التيار السلفي لم يكن سوى مشجبا تعلّـق عليه خسائر مصالح الأمن والمفكرين في العالمين، الإسلامي والغربي، لأن الأزمة القائمة في الشرق الأوسط يتغذى منها كل من يريد حمل السلاح، وكذلك الأمر بالنسبة للحرب في العراق وللتواجد الأمريكي في أفغانستان.

وماذا عن عدد السلفيين المسلحين في بلاد المغرب العربي؟ تذهب أقصى التقديرات لمصالح الأمن الأوروبية والمغاربية، أن عددهم لا يتجاوز الثلاثة آلاف شخص، موزّعين على خمسة ملايين كيلومتر مربع أو أكثر، ويتحركون ضِـمن حدود طولها يُـقارب عشرة آلاف كيلومتر. لذلك فإن التركيز الإعلامي الكبير عليهم والاهتمام الدولي (الأمريكي والفرنسي بهم) قد يعني بنظر البعض أنه "إما أننا أمام رجال سوبرمان، وإما أن الفأر نُـفخ فيه فصار فِـيلا لحاجة في نفس يعقوب.

                                                            والله اعلم

 

 



1– انظر ،شركة الإمامين ،لجنة البحوث و دراسات بالطريقة العزمية .

2– موسوعة العلوم السياسية ،جامعة الكويت ،8/341.

3– ألكس ألكسيف‘ المملكة العربية السعودية ،421.

4– مرجع سابق ،345.

5– الجزيرة نت ،موقع الكترونى.

6– الشروق،صحيفة تونسية ، 26/12/2006.

7– العربية نت ،موقع إلكتروني.

8 - الخبر،صحيفة جزائرية،1/1/2007.

9– العربية ،مصدر سابق.

10– الفجر ،صحيفة موريتانية ،نقلا عن موقها الإلكتروني.

11 - الأنباء،  موقع إلكتروني .

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.